غلالة سوداء.. قصة قصيرة
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
- كان قلبه أشد صلابة من الحديد، وكان عنيدًا لا يلين.
كان هذا رده على جليسه، وهو يحدثه في أمر ابنه.
- لقد وعدني أنه سيأتيك معتذرًا، ومقبلًا قدميك. بهذا أخبرني منذ ثلاثة أيام، وظننت أنه ..
قاطعه قائلًا:
- وهل صدقته؟
- لقد أقسم لي...
- ما أهون أن يقسم ثم يحنث في قسمه؛ إنه نسخة من ...
ازدرد ريقه، ثم ابتلع آخر كلمة على طرف لسانه، فلم يتفوه بها.
- تقصد أمه
طأطأ رأسه علامة الإيجاب.. ثم شرح بخياله في أحداث وقعت قبل ثلاث سنوات إثر مشادة بينه وبين زوجه على مرأى ومسمع من ابنهما الوحيد. وبات هذا الحوار محفورًا في ذاكرته، لا يمحى أبدًا.
قالت الأم لولدها في لهجة تشي بالتهديد:
- إياك أن تطيعه.
ولم؟
لأنه ليس أباك.
كيف؟
- هكذا .. ألم ترَ ما فعله بأمك؟!
- وما دخلي فيما يجري بينكما؟
صفعته على وجهه .. ثم هبت فيه صارخة:
- أنا أمك. أمك التي تعبت فيه حملًا وولادة ورعاية، حتى استويت على عودك.
- أنا لا أنكر ذلك.
- إذن، فلتثبت لي.
- كيف؟
- بأن تنسى أن لك أبًا.
- إنه..
إنه ليس أباك.. هل تسمع؟ من أغضب أمك التي تحبك، لا يصلح أن يكون أبًا لك.
ردد النظر بين أمه وأبيه، ولم يحرِ جوابًا؛ فأخذته تحت إبطها، ودخلا غرفتها. وبعد قليل تناهي إلى سمع الزوج المسكين الضحكات والنكات.
أفاق من شروده، كان صديقه قد قال كلامًا، ولكنه لم ينتبه إلى كلمة مما قال.
فنظر إليه بعينين تتوسلان إليه أن يعيد ما قاله.
أجفل الصديق بعينيه، ثم أمسك بكوب الشاء بين كفيه، كي يمنحه مزيدًا مزيًا من الدفء، ثم أخذ رشفة طويلة، كان لصوتها أثر في جذب الانتباه، ثم أجمل ما قاله آنفًا في جملة واحدة:
- لا تنسَ أنه ابنك.
فانتفض الأب، كأنما صعقه تيار كهربائي، ونظر إلى صديقه، وقال في نبرة تفشي آلام قلبه:
- قل له، لا ينسَ أنني أبوه.
ألجمه الرد؛ فاحتسى آخر شربة من فنجان الشاي، ثم قال لأبيه، وهو يتأمل قرص الشمس
، وهو يتفتت قبيل الغروب:
- وهل يمكن أن ينسى أصله الذي انحدر منه.
- هذا ما حدث يا صديقي، إنه ابن عاق؛ أنكر بنوته لأبيه، وكأنه جاء من سفاح.
ثم صفق كفيه وحوقل.
كانت الشمس قد غربت، وكان صديقه لا يزال يشاهد لحظة رحيل الشمس، فقال وكأنه ينسج الكلمات من هذا المشهد.
- شد ما يؤلمني، ما وصل إليه حالكما، أب مثلك يتباهى جدير أن يتيه به بنوه ويتفاخرون، وبدلًا من ذلك وصل الحال إلى ما نرى.
أراد الوالد المكلوم أن يتكلم، ولكنه وأد الكلمات على شفتيه. ماذا عساه أن يقول أو يصنع إزاء ابن عاق، لا يعرف لأبيه فضلًا.
كانت الظلام يزحف عليهما، ويلفهما بغلالة سوادء، فقد كانا يجلسان منزويين في ركن ناء من المقهى. ساعدت الظلمة أن يفجر الصديق هذه الجملة في وجه الأب المكلوم:
- لكن، لا تؤاخذني يا صديقي، فأنت كذلك مقصر.
فغر الأب فاه مندهشًا، فواصل صديقه كلامه:
- نعم، مقصر. لِمَ لمْ تصحب ولدك؟ لِمَ لمْ تطوه تحت إبطك؟
ضحك بمرارة شديدة، ثم نفث هواءً حارًا من صدره المكلوم، ثم تابع كلامه:
- لقد صنعت معه كل ما يصنعه أي أب رحيم مع ولده. ولكن تأثير تلك المرأة الشيطانة كان أشد.
- كان بإمكانك أن...
قاطعه في نبرة ثائرة:
- لم يكن بإمكاني أن أصنع أكثر مما صنعت.
(ازدرد ريقه) ثم استأنف:
- إن السيل كان شديدًا وجارفًا
- اطمئن يا صديقي، سأحاول مع ولدك مرة أخرى.
طأطأ الأب رأسه في استسلام يشبه اليأس، ثم انصرف كلٌّ إلى طريقه.
في المساء استعدت عليه الهموم من كل ناحية وصوب؛ لتنضم إلى الوحدة التي يعاني منها منذ غادر المنزل. لم يكن أمامه بدٌّ من المغادرة. لقد خشي على نفسه من ابنه أن يسلبه روحه.
لقد كان ابنه الوحيد أشبه بحيوان أعجم، أو آلة صماء تُدار من خلال أمه. فلو أمرته أن يدس السم لأبيه، لفعل.
تراءى أمام ناظريه مشهد الخروج. لأول مرة يغادر المنزل الذي أقامه؛ ليكون مرفأ سعادة له وأمان. ولكنه افتقد السعادة وافتقد معها الأمان.
جميع حاجياته الخاصة وصرها، واحتمل ما يكفيه للإعاشة فرد واحد. استغرق وقتًا، وهو يحزم أمتعته، والعجيب أن أحدًا لم يتمسك به؛ لا الزوجة ولا الولد؛ فغادر دون أن يلتفت إلى أحد، ومضى لا يلوي على شيء. فتح صدره للهواء العليل؛ كي يخفف من الحريق المتقد في صدره.
كان قد استأجر غرفة متواضعة فوق إحدى البنايات العتيقة، كانت تبعد عن الشقة التي تقيم فيه زوجه وولدهما بمقدار ميل. ما جعله يطمئن من الجيران عليهما، ويتعرف أخبارهما.
مرت أيام قليلة، فوجئ بعدها بأن زوجه قد رفعت عليه قضية طلاق، وسارت الأحداث سريعة كالبرق، قام القاضي بتطليقها، وما أن انتهت شهور العدة؛ حتى زفت إلى رجل آخر، في تتابع ملحمي سريع، كأن كل شيء كان معدًا له سلفًا.
قبل الزواج بيومين، هجرت ابنها (رجلها) كما كانت تنعته وتناديه. وبات الابن وحيدًا بين جدران خاوية إلا من فراشه وثيابه. فقد أخذت معها كل شيء إلا ابنها. وراحت تبني لنفسها حياة جديدة مع رجل آخر.
بعد ذيوع خبر زواجها، التقاه صديقه في المقهى التي اعتادا الجلوس فيها، فبادره بقوله:
- كان من الطبعي أن يعود إليك ابنك، لا سيما وقد تخلت عنه أمه.
- ومن قال لك أن الأمور تسير بطبيعتها؟
- وكيف ذلك؟
- إنه لا يزال متشبثًا بها بالرغم من جفائها لها وإيثارها بعلًا على ابنها.
- كنت أظن أنه لن ينسى لها ذلك، فالابن يغار على أمه.
- هذا في حال واحدة، عندما يكون له أب.
- وأنت؟
- هل نسيت، إنه لا يعتبرني أباه.
ساد وجوم بضع دقائق، قبل أن يقول له الصديق:
- لا أكتمك القول، لقد تحدثت أمس مع ابنك. فتح عينيه أكثر، وأرهف سمعه، فواصل صديق:
- لقد اشتكى ولدك منك مر الشكوى؛ بأنك منذ هجرت البيت لم تنفق عليه. وأنك – لا تؤاخذني – أب بلا شفقة أو رحمة.
- أنا؟
- هكذا ادعى ولدك.
- لقد ورث الكذب عن أمه. هل نسيت أنك أوصلت النفقة إليهم أكثر من مرة.
- لم أنس ولكن..
- ولكن ماذا؟
- ما رأيك أن تذهب أنت إليه، إنه ابنك، فلذة كبدك، وقطعة منك. يكفي أنه منسوب إليك. فلا تتركه للدنيا تقسو عليه.
- هو لا يريد سوى المال، وأنا أمده به كل شهر.
- بل هو يريدك أنت.
ضحك بمرارة، ثم أردف بعد أن سعل
- لقد كنت معهما ولم يقترب من أبيه، بل أنكره.
- لقد تغير الوضع الآن
- فلتسقه قدماه إلى أبيه، أصله الذي انحدر منه.
- إنه مكابر وعنيد، يأبى أن يأتي إليه.
- وأنا كذلك لا حاجة لي فيه.
ثم نفض يديه، وانصرف لا يلوي على شيء.
