recent
عـــــــاجــــل

اليتيم… رسالة رحمة فى الإسلام

 

اليتيم… رسالة رحمة فى الإسلام

اليتيم… رسالة رحمة فى الإسلام


بقلم: د. خالد البليسي

في كل عام يأتى يوم اليتيم ليجدد فى القلوب معنى إنسانيًا عظيمًا رسخه الإسلام منذ فجر الرسالة، وهو العناية باليتيم ورعايته وإحاطته بالرحمة والاهتمام. فاليتيم ليس مجرد طفل فقد والده، بل إنسان يحتاج إلى العطف والاحتواء والرعاية حتى يشعر بالأمان والانتماء داخل المجتمع. وقد أولى الإسلام عناية فائقة بأمر اليتيم، فجعل رعايته من أعظم الأعمال وأجلّ القربات التى يتقرب بها العبد إلى الله تعالى.

لقد اهتم القرآن الكريم اهتمامًا كبيرًا باليتيم، فورد ذكره فى مواضع كثيرة تأمر بالإحسان إليه وتحذر من ظلمه أو أكل ماله. يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (سورة النساء: 2). وتؤكد هذه الآية الكريمة حرص الإسلام على حفظ حقوق اليتيم وصيانة أمواله حتى لا يتعرض للظلم أو الاستغلال.

كما جاء التأكيد الإلهى على ضرورة الإصلاح لليتامى ورعاية شؤونهم، فقال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ (سورة البقرة: 220). وهذه دعوة صريحة إلى أن تكون رعاية اليتيم قائمة على الإصلاح والتربية والاهتمام بكل ما ينفعه فى حياته ومستقبله.

وفى موضع آخر يحذر القرآن الكريم من الاقتراب من مال اليتيم إلا بالحق، فيقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (سورة الأنعام: 152). وهنا يظهر البعد الاجتماعى والاقتصادى لرعاية اليتيم، حيث يضمن الإسلام الحفاظ على ماله وتنميته حتى يبلغ سن الرشد ويصبح قادرًا على إدارة حياته بنفسه.

ولم يقتصر الاهتمام باليتيم على القرآن الكريم فحسب، بل جاءت السنة النبوية المطهرة لتجسد هذه المعانى السامية، فالنبي ﷺ كان مثالًا للرحمة والإنسانية فى تعامله مع اليتامى. فقد روى فى الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أول من يفتح له باب الجنة، فإذا امرأة تبادرنى، فأقول لها: ما لك ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لى"، وهو حديث يبين عظم الأجر الذى تناله تلك المرأة التى صبرت على تربية أيتامها ورعايتهم بالحلال والطيب.

وفى حديث عظيم آخر قال رسول الله ﷺ: "أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى. وفى رواية أخرى قال: "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين فى الجنة". وهذه منزلة عظيمة تدل على مكانة كافل اليتيم عند الله، إذ يجعله قريبًا من رسول الله ﷺ فى الجنة.

إن رعاية اليتيم فى الإسلام ليست مجرد عمل خيرى عابر، بل هى رسالة إنسانية عظيمة تعكس روح التكافل والتراحم داخل المجتمع. فاليتيم لا يحتاج إلى المال فقط، بل يحتاج إلى الحنان والاهتمام والتوجيه حتى ينشأ إنسانًا صالحًا قادرًا على بناء مستقبله وخدمة مجتمعه.

وقد شاءت حكمة الله أن يكون رسولنا الكريم ﷺ قد عاش تجربة اليتم بنفسه، فقد ولد يتيم الأب ثم فقد أمه وهو صغير، ولذلك كان قلبه أكثر رحمة بالأيتام وأكثر إحساسًا بمعاناتهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ (سورة الضحى: 6)، ثم جاء التوجيه الإلهى الواضح: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (سورة الضحى: 9).

إن يوم اليتيم ليس مجرد مناسبة احتفالية تقام فيها الأنشطة والفعاليات فحسب، بل هو تذكير حقيقى بواجب المجتمع تجاه هؤلاء الأطفال الذين فقدوا السند، ويحتاجون إلى من يمد لهم يد الرحمة والرعاية. فكم من طفل يتيم يحتاج إلى كلمة طيبة، وكم من قلب صغير ينتظر من يزرع فيه الأمل والطمأنينة.

وقد حث النبى ﷺ على الإحسان إلى اليتيم فى كل صور الرعاية، حتى فى أبسط الأمور، فقال: "من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات". كما قال ﷺ: "خير بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشر بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه".

إن المجتمع الذى يرعى أيتامه هو مجتمع قوى ومتماسك، لأن الرحمة هى أساس الاستقرار الإنسانى. وكفالة اليتيم لا تعنى فقط تقديم المال، بل تعنى المشاركة فى التربية والتعليم والرعاية النفسية والاجتماعية حتى يشعر اليتيم أنه جزء أصيل من هذا المجتمع.

وفى يوم اليتيم، ينبغى أن نتذكر أن إدخال السرور على قلب يتيم قد يكون سببًا فى سعادة عظيمة فى الدنيا والآخرة. فكم من ابتسامة يمكن أن تغير حياة طفل، وكم من يد حانية يمكن أن تعوضه عن فقدان الأب.

ويبقى اليتيم فى الإسلام رمزًا للرحمة الإنسانية، وتبقى كفالته بابًا عظيمًا من أبواب الخير التى تقرب الإنسان من ربه، وتجعله فى منزلة رفيعة يوم القيامة. فلنجعل من يوم اليتيم بداية جديدة لنشر الرحمة فى مجتمعنا، ولنحرص جميعًا على أن نكون سببًا فى رسم البسمة على وجوه هؤلاء الأطفال، لعلنا نحظى بشرف القرب من رسول الله ﷺ فى جنات النعيم.


google-playkhamsatmostaqltradent