«أولادنا يستحقون التضحية»
بقلم: حسن سليم
الحديث عن استقرار الأسرة لم يعد ترفًا فكريًا أو شأنًا خاصًا يخضع لتقديرات الأفراد، بل أصبح ضرورة وطنية تمس صميم بقاء الدولة وقدرتها على صناعة المستقبل، فالأسرة المصرية، التي طالما كانت صمام الأمان وحائط الصد الأول في مواجهة الأزمات، تقف اليوم أمام اختبار حقيقي يستوجب تدخلًا واعيًا يعيد التوازن إلى بنيتها ويصون دورها التاريخي في بناء الإنسان.
من هذا المنطلق، تتجه الأنظار نحو السيد رئيس الجمهورية لإطلاق مبادرة «أولادنا يستحقون التضحية»، وإعلان هذا العام عامًا للأسرة المصرية، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن معركة بناء الإنسان لا تنفصل عن معركة الحفاظ على تماسك البيت الذي ينشأ فيه، فالقضية لم تعد مجرد خلافات زوجية عابرة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ظاهرة لها تداعيات نفسية واجتماعية تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة.
إن الدعوة إلى هذه المبادرة لا تعني أبدًا فرض الاستمرار في علاقات مستحيلة أو تبرير الأذى، لكنها تخاطب مساحة واسعة من الأزواج الذين يمكنهم، رغم الخلافات، أن يقدموا نموذجًا راقيًا في تحمل المسؤولية، وأن يضعوا مصلحة الأبناء فوق أي اعتبارات أخرى. فالأبناء الذين ينشأون في بيئة أسرية مستقرة، حتى مع وجود اختلافات، يملكون فرصًا أكبر للنمو النفسي السليم، ويكونون أكثر قدرة على الانتماء والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمعهم.
السيد الرئيس، إن إعلان عام للأسرة المصرية يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني متكامل تتضافر فيه جهود مؤسسات الدولة كافة، من خلال إطلاق حملات إعلامية تعيد الاعتبار لقيم التضحية والتفاهم، وتطوير برامج إرشاد أسري تساعد الأزواج على إدارة الخلافات بوعي، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية في غرس مفاهيم الحوار والمسؤولية منذ الصغر.
كما أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح الباب أمام مراجعة متأنية للتشريعات المرتبطة بشؤون الأسرة، بما يحقق التوازن العادل بين الحقوق والواجبات، ويضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات، بعيدًا عن أي انحياز قد يفاقم من حدة الصراع داخل الأسرة، فالقانون، حين يكون منصفًا ومتوازنًا، يسهم في تهدئة النزاعات، ويعيد توجيه العلاقة بين الأطراف نحو التعاون بدلًا من التناحر.
ولا يقل عن ذلك أهمية دعم مراكز الوساطة الأسرية وتفعيل دورها قبل الوصول إلى مراحل الانفصال، بحيث تتاح للأزواج فرصة حقيقية لإعادة تقييم أوضاعهم، واتخاذ قرارات مدروسة تحمي الأبناء من تبعات قرارات متسرعة، فكم من بيت كان يمكن إنقاذه لو أتيحت مساحة للحوار الهادئ، وكم من طفل كان يمكن أن ينشأ في كنف أسرة متماسكة لو توافرت أدوات الدعم المناسبة.
إن جوهر هذه الدعوة يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر «أولادنا يستحقون التضحية».. يستحقون أن نتحمل من أجلهم، أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن ندرك أن الخلاف بين الزوجين، مهما تعاظم، يجب ألا يتحول إلى معركة خاسرة يدفع ثمنها الأبناء وحدهم، فالتضحية هنا ليست انتقاصًا من الحقوق، بل تعبير عن نضج إنساني يدرك أن بناء الإنسان يبدأ من داخل الأسرة.
السيد الرئيس، كما تعلمون، أن الأوطان لا تبنى فقط بالمشروعات الكبرى، بل تبنى أيضًا بالبيوت المستقرة التي تربي أجيالًا قادرة على العمل والعطاء والدفاع عن وطنها، وإذا كانت مصر قد نجحت في خوض معارك التنمية والبناء، فإن معركة الحفاظ على تماسك الأسرة تستحق أن توضع في مقدمة الأولويات، لأنها الضمان الحقيقي لاستدامة كل إنجاز.
إن إطلاق مبادرة «أولادنا يستحقون التضحية»، وإعلان عام الأسرة المصرية، سيكون رسالة قوية بأن الدولة تقف إلى جانب كل أسرة تسعى للاستقرار، وتقدر كل جهد يبذل في سبيل تربية أبناء أسوياء يحملون في قلوبهم حب الوطن.. إنها دعوة لإعادة الاعتبار لقيمة التضحية المشتركة، ولتصحيح مسار قد ينحرف أحيانًا تحت وطأة الضغوط، لكنها تظل قابلة للإصلاح بإرادة صادقة ورؤية واعية.
وتبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل، أن مستقبل مصر يبدأ من داخل كل بيت، وأن قوة الدولة تنعكس في قوة أسرها، وإذا أردنا أن نحصن هذا المستقبل، فعلينا أن نمنح الأسرة ما تستحقه من اهتمام ورعاية، وأن نطلق مبادرات تعيد إليها توازنها، وتعزز قدرتها على أداء رسالتها النبيلة، فالأبناء أمانة في أعناق الجميع، وهم الثروة الحقيقية التي لا تنضب، وبهم وحدهم يُكتب لمصر مستقبل أكثر استقرارًا وقوة.
