recent
عـــــــاجــــل

«وعود من زجاج».. بقلم: د. سعيد المنزلاوي

 

«وعود من زجاج».. بقلم: د. سعيد المنزلاوي

«وعود من زجاج».. بقلم: د. سعيد المنزلاوي


"الانتظار علاقة تفاعلية بين اثنين، الأول منح وعدًا، والآخر ينتظر الوفاء بالوعد، ويبقى إنجاز الوعد رهنًا بالطرف الآخر".

- الانتظار نار متقدة، جمر مشتعل، يصطلي به من يوقعه حظه العاثر فيه.

ضحكت ملء فيها، فبدت ثناياها اللؤلؤية كعقد منتظم، وقالت:

- - الانتظار نار ونور معًا، جمرٌ، ولكنه رَوح وريحان.

نظر إليها في شيء من الريبة، أن يكون قد مسها بعض الخبال.

- ماذا تقولين؟

- يبدو أن كلامي لم يرق لك؟

لحظة صمت.. شرد خلالها بخواطره.. لقد مضت على خطبتهما أكثر من ثلاث سنوات، وبلغ به الشوق مبلغه، بينما بدت خطيبته وكأنها تستلذ هذا البُعد، ولا تعبأ بمشاعره.

- بي مثل ما بكَ. ولكني أحب أن أعيش هذه الفترة بكل جمالها.

أخذته من شروده، وأعادته قسرًا إلى أرض الواقع. فقال في أسف:

- وإلى متى؟

لم تكن تمتلك الجواب؛ فاكتفت بابتسامة رقيقة، ثم لاذ كل منهما بالصمت.

كان لا يزال في مقتبل عمره، وحديث التخرج. لم يعثر على عمل ثابت. طرق عدة أبواب، ولكنها كانت توصد جميعها في وجهه.

هي تعرف أنه يحبها، ولكنه لا يزال عاجزًا عن توفير سكن وتأثيثه. هو أكبر إخوته، وليس لديه ما يعينه على البناء بها. 

بينما هي الابنة الصغرى لأب على المعاش، أسرة متوسطة؛ تعيش اليوم بيومه. تزوج إخوتها، وبقيت هي. وبالرغم من محاولات إخوتها معها أن تتركه؛ إلا أنها لا تزال متمسكة به.

- هل وجدت عملًا؟

كان السؤال بمثابة من دلق عليك سجلًا من ماء، بينما كنتَ تغط في سبات عميق.

انتبه مذعورًا من هول السؤال.. تلعثم قبل أن يجيب:

- لا، لا زلت أبحث عن عمل.

راحت تتأمل السحاب المسافر في الأفق، فعن لها خاطر، أبرقت له عينها، ثم قالت في حماس:

- ما رأيك لو تسافر؟

- أسافر؟

- نعم، ولِمَ لا؟

- ولكن...

- لا تنعى تكاليف الشعر، المهم أن تعثر على عقد عمل تسافر به.

تحمس للفكرة، وراح بكل جد يبحث عن فرصة للسفر؛ ليتمكن من البناء بها.

لم يمض وقت طويل، حتى زف إليه بشرى عثوره على عقد عمل لإحدى دول الخليج.

- ولكن المبلغ المطلوب..

وقبل أن يتم كلامه، خلعت خاتمها، ونزعت قرطها، ودستهم جميعًا في يده. ثم قالت له:

- بعهم، وسافر. وأنا في انتظارك.

نظر إليها بامتنان، فقالت له:

- نحن واحد، وأنا واثقة من أنك ستعوضني بأكثر منهم.

قبَّل كفيها، وذهبا معًا لبيع المصوغات الذهبية. وتوفرت لديه تكاليف السفر، دون أن يمد يديه لأحد.

في المطار، كان حديثهما صمتًا، اكتفى كل منهما بالنظر في عين الآخر، وتولت العيون إدارة الحديث دون همس أو كلام.

وعندما حانت لحظة الوداع، قبَّل جبينها، وشدَّ على يديها، وقال لها، وهو يعبر الممر إلى صالة المطار:

- سأحدثك كل يوم، بل كل ساعة، سأحدثك كثيرًا.

- ليس المهم أن تحدثني كثيرًا، المهم أن تعود إليَّ وأنت قادر على تأسيس بيت يجمعنا معًا.

- أعدك بذلك. أحبك، أحبك.

- أحبك، أحبك. 

عادت أدراجها - وحيدة – إلى منزلها، بينما بدأ هو أولى خطواته في بلاد النفط والغربة.

كان يقضي سحابة النهار في العمل، وعند العودة يتواصل مع خطيبته، ويسرد عليها أحداث يومه، وما يلاقيه من شدة ومعاناة في عمله. وكانت تحمسه للاستمرار، وتمنيه بالسعادة عندما يعود إليها.

وقد بذل قصارى جهده؛ ليثَبِّت قوائمه في عمله، ويدعم مكانه، بالرغم من المنافسة الشديدة مع أقرانه، بل والمكائد، والتي كاد بسببها أن يفقد عمله أكثر من مرة. لكنه استطاع أن يكتسب ثقة صاحب المؤسسة والتي يعمل بها، حتى جعله يعتمد عليه في الكثير من الأمور، وصار لا يستطيع الاستغناء عنه، فقربه منه، وأودعه ثقته.

ولم يكن لصاحب العمل أولاد ذكور، وإنما هما ابنتان، تزوجت إحداهما، فعرض الثانية على صاحبنا؛ ليضمن ولاءه له ولمؤسسته.

- أنت عندي بمنزلة الولد، وليس لي سوى ابنتان، تزوجت الكبرى، وأريد أن أزوجك بأختها، وتعيش معنا في القصر، كواحد من أبنائي.

فوجئ بالعرض، فصمت ولم يحر جوابًا.

فطن صاحب المؤسسة لحيرته، فأمهله حتى الغد؛ ليسمع منه رده.

رجع إلى مسكنه، ورأسه تدور، ويكاد التفكير أن يصرعه، وقد احتدام نقاش حاد في رأسه. لم يتناول طعامه من طنين الأفكار المتزاحمة في رأسه، حتى كاد أن ينفجر. 

فكر أن يخبر خطيبته، لكنه أحجم. 

- ماذا أقول لها؟ 

سريعًا استبدل ثيابه بأخرى مريحة. ثم أدار حوارًا بينه وبين نفسه:

- ماذا لو رفضتُ الزواج بها؟

- سأخسر كل شيء، ويفسخ عقدي وأرجع صفر اليدين.

- وخطيبتك، ما ذنبها؟ 

- خطيبتي؟

- هل نسيتها؟ نسيت تضحياتها لك وانتظارها لك، بل وتحملها ظروفك.

- لم أنسَ، ولكن..

- ولكن ماذا؟

- الفرصة لا تأتي في العمر إلا مرة واحدة وفقط.

- والحب؟

- هههه .. حب؟! وهل وفر لنا الحب عملًا ومسكنًا، وحياة مستقرة؟

- أفهم من ذلك أنك ستوافق على الزواج من ابنة صاحب المؤسسة.

- سأكون مجنونًا إذا رفضت.

- وغادرًا إذا رفضت.

أدار وجهه، كأنما ينفي عن نفسه تهمة الغدر.

 ثم طوى حديث النفس، وراح يحلم بالإقامة في القصر المنيف، وبالثروة التي ستهبط عليه بمجرد أن يوافق على عرض الزواج.

في الغد، أخبر صاحب المؤسسة بالموافقة، وقبل أن يخبره، كان قد حظر رقم خطيبته. ومحا حسابه القديم، واستأنف في بلاد الغربة حياة جديدة في القصر المنيف.


google-playkhamsatmostaqltradent