رواية «دفنوه حيا» بين الواقعية والخيال والتأمل الفلسفي
كتب- سعيد المنزلاوي
يتميز قلم الأديبة المتميزة «سوسن محفوظ» بالتنوع الأدبي، فقد قدمت مجموعة مميزة من الروايات والمجموعات القصصية، منها:
لماذا يجب عليك أن تمتلك بيانو – مجموعة قصصية (معرض القاهرة الدولي للكتاب 2018).
عليك اللهفة – رواية فائزة بمسابقة دار المعارف.
عيد النسيان – مجموعة قصصية فائزة بمسابقة الدكتور حمدي طه.
مالك وليالي الحرمان – رواية فائزة بمسابقة دار كليوباترا للنشر.
حدائق المريخ – رواية صادرة عن دار مدينة الكتب.
الانتقام في زمن الكورونا – مجموعة قصصية.
غريبة في بيتي – رواية رعب بالعامية المصرية.
دفنوه حيًا – رواية فائزة بمسابقة وزارة الشباب والرياضة.
عمار في أرض كيميت – مجموعة قصصية تاريخية للأطفال واليافعين.
كما نشرت العديد من المقالات والقصص القصيرة في صحف ومجلات مصرية وعربية، منها: الأهرام، أخبار الأدب، الثقافة الجديدة، مجلة العربي الكويتية، الزوراء العراقية، الرافد الإماراتية، العراقية الأسترالية، تن نيوز الأمريكية، والمجد الباكستانية، إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.
وفي هذا المقال يخوض الناقد شريف ابراهيم احمد، غمار عالم الروائية المتميزة سوسن محفوظ، ويقدم تحليلًا أدبيًا لرواية" دفنوه حيا".
تقدّم الرواية عالمًا مركبًا يمزج بين الواقعية القاسية والخيال العلمي والتأمل الفلسفي، عبر شخصية محورية هي “فريد وصفي/عباس الشرقاوي” التي تتشظّى بين أكثر من هوية، وأكثر من مستوى وجودي. ويمكن قراءة العمل على عدة محاور رئيسية:
1) ثيمة الهوية الممزقة
أهم ما يحكم النص هو سؤال الهوية:
هل الإنسان هو ذاكرته؟
أم أفعاله؟
أم اعتراف الآخرين به؟
فريد/عباس يعيش حالة “تفكك ذاتي” بعد فقدان الذاكرة، فيتحول إلى شخصين:
عالم فضاء عالمي (فريد)
ورجل بسيط في حارة شعبية (عباس)
هذا الانقسام لا يُقدَّم كحادث طبي فقط، بل كأزمة وجودية تعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا هشًا يمكن أن يُمحى بسهولة من تاريخه.
2) الموت والبعث كفكرة مركزية
تكرار مشهد “الدفن حيًا” ليس حدثًا سرديًا فقط، بل رمز واضح لـ:
موت الهوية القديمة
وولادة إنسان جديد
القبر هنا يتحول إلى:
مساحة اختبار للوعي
ومسرح مواجهة بين الضمير والخوف
وحدّ فاصل بين الوجود والعدم
وهذا يربط الرواية بفكرة فلسفية عميقة: أن الإنسان قد يموت اجتماعيًا قبل موته الجسدي.
3) الصراع بين العلم والخرافة
الرواية تضع ثلاث قوى متقابلة:
العلم: ممثلًا في فريد/عباس ومحاولاته تفسير الظواهر منطقيًا
الخرافة: السحرة، اللعنات، التفسيرات الغيبية
السلطة: الدولة والإعلام والمؤسسات
هذا الصراع لا يُحسم لصالح طرف واحد، بل يُترك مفتوحًا، مما يعكس رؤية نقدية للعالم العربي بين التقدم والتأخر، بين العقل والتفسير الميتافيزيقي.
4) البنية السردية: التشظي والتوازي
الرواية لا تسير خطيًا، بل تعتمد على:
تعدد الأزمنة (1993–1995)
تعدد الشخصيات المتداخلة
خطوط سردية متوازية (العائلة، الحادث، القبر، أمريكا، الأهرامات)
هذا التشظي يعكس الحالة النفسية للبطل نفسه: ذاكرة غير مستقرة = سرد غير مستقر.
5) البعد النفسي: الضمير بوصفه محكمة
واحدة من أقوى عناصر الرواية هي “الأسئلة التي يسمعها فريد داخل القبر”، والتي تمثل:
محاكمة داخلية وليست دينية تقليدية فقط
هذه الأسئلة تكشف:
الإهمال العاطفي، الجشع المهني
الذنب تجاه الآخرين (مثل حسين والأم)
وبذلك يصبح العذاب النفسي أهم من العذاب الجسدي.
6) الشخصيات النسائية ودورها الرمزي
النساء في الرواية لسن شخصيات ثانوية، بل يمثلن مستويات مختلفة من الانتماء:
الأم: الحنان المطلق واليقين الإنساني
فريال: الحب المشروط والصراع الاجتماعي
عدلات/شيماء: البدائل العاطفية والطبقية المتناقضة
كل شخصية نسائية تمثل “نموذجًا للعلاقة بالذات” وليس مجرد علاقة حب.
7) البعد الفلسفي: الإنسان كاحتمال لا كحقيقة
الرواية تنتهي ضمنيًا بفكرة:
الإنسان ليس كيانًا ثابتًا، بل مشروعًا يعاد تشكيله باستمرار.
فريد: يموت ويعود، يُنسى ويُستعاد، يُدفن ويُكرَّم، يُحب ويُرفض
وكأن حياته تجربة لإثبات أن الهوية ليست يقينًا، بل احتمالًا دائم التغير.
الرمزية الكبرى: الهرم
اختفاء الهرم ثم محاولة إعادته ليس حدثًا خياليًا فقط، بل رمز لـ:
التاريخ المفقود
الهوية الوطنية
والعقل العلمي الذي يحاول استعادة ما ضاع
الهرم هنا يصبح مرآة لفريد نفسه:
شيء عظيم اختفى ثم يحاول العالم إعادته.
الخلاصة:
الرواية تنتمي إلى أدب:
الفلسفة الوجودية والخيال العلمي الرمزي والدراما النفسية، وهي ليست قصة عن رجل فقد ذاكرته فقط، بل عن: إنسان فقد تعريفه لذاته في عالم لا يعترف إلا بالثابت.
