مدرسة الدار الإسلامية بالنيجر تنظم درسًا تعليميًا حول مقال القرآن رسالة الديان للمفكر علي الشرفاء
منذ نزول الرسالة الإسلامية، جاء القرآن الكريم حاملًا لمنهج متكامل يهدف إلى تنظيم حياة الإنسان، وترسيخ قيم العدل والرحمة والكرامة، ليكون دستورًا يهدي البشر إلى طريق الاستقامة ويضع الأسس التي تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات. ومن بين القضايا التي تناولها الإسلام وفق منظومة دقيقة قضية المواريث، التي ظلت عبر التاريخ نموذجًا واضحًا على دقة التشريع وعدالته بعيدًا عن النظرة السطحية التي تختزل الأحكام في مجرد مقارنة بين أنصبة الرجال والنساء.
فالميراث في الإسلام لم يُبنَ على أساس التفرقة بين الذكر والأنثى، وإنما قام على معايير محددة تراعي طبيعة العلاقات الأسرية والالتزامات الاجتماعية والمالية التي يتحملها كل فرد داخل المجتمع.
ويقوم نظام الميراث الإسلامي على ثلاثة معايير رئيسية، أولها درجة القرابة بين الوارث والمتوفى، فكلما كانت الصلة أقرب كان النصيب أكبر، وكلما ابتعدت درجة القرابة قل النصيب، دون ارتباط بجنس الوارث، سواء كان رجلًا أو امرأة.
أما المعيار الثاني فيرتبط بموقع الجيل الوارث من دورة الحياة، فالأجيال التي تستقبل مسؤوليات الحياة وتحتاج إلى بناء مستقبلها قد يكون نصيبها أكبر من الأجيال التي تقدمت في العمر وأصبحت أعباؤها أقل، وهذا المعيار كذلك لا يقوم على أساس الذكورة أو الأنوثة، بل على طبيعة المرحلة والمسؤوليات.
ويأتي المعيار الثالث المرتبط بالعبء المالي الذي يفرضه الشرع على الوارث تجاه الآخرين، وهو المعيار الذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى اختلاف نصيب الرجل عن المرأة، لأن الرجل في النظام الاجتماعي الإسلامي يتحمل مسؤوليات مالية أكبر مثل النفقة على الأسرة ورعاية من يعولهم، بينما لا تُلزم المرأة شرعًا بتحمل هذه الأعباء المالية.
ومن هنا يتضح أن اختلاف بعض الأنصبة لا يعني انتقاصًا من مكانة المرأة أو تمييزًا ضدها، بل هو توزيع للحقوق وفق منظومة متكاملة تراعي المسؤوليات والواجبات.
وتؤكد دراسة حالات الميراث أن الصورة أكثر اتساعًا مما يروج له البعض، فالمرأة لا ترث نصف الرجل إلا في عدد محدود من الحالات، بينما تتساوى معه في حالات أخرى، وقد ترث أكثر منه في حالات عديدة، بل توجد حالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.
وهذا يؤكد أن معيار العدالة في التشريع الإسلامي لا يقوم على المساواة الحسابية المجردة في كل موقف، وإنما على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وهو مفهوم يختلف عن النظرة التي تقيس الإنصاف فقط بتطابق الأنصبة.
لقد جاء الإسلام في وقت كانت فيه المرأة في كثير من المجتمعات محرومة من أبسط حقوقها، فجعل لها ذمة مالية مستقلة، وأثبت حقها في الميراث، ورفع مكانتها الاجتماعية، وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، وكان من آخر ما أكد عليه في خطبة الوداع الدعوة إلى احترام الحقوق وصيانة كرامة الإنسان.
وفي هذا السياق يأتي الحديث عن القرآن الكريم بوصفه رسالة إلهية تهدف إلى هداية الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور، فقد أوضح القرآن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها تبليغ الرسالة والدعوة إلى الله وتوضيح مقاصدها، وليس إضافة ما يتعارض مع أصل الرسالة التي جاء بها.
فالقرآن الكريم يضع للإنسان منهجًا شاملًا ينظم علاقته بربه وبنفسه وبالمجتمع من حوله، ويرسخ مبادئ العدل ومنع الظلم وحماية الحقوق، كما يدعو إلى بناء مجتمع يقوم على الرحمة والتعاون والمسؤولية.
إن العودة إلى فهم القرآن باعتباره رسالة هداية وإصلاح تساعد الإنسان على إدراك مقاصد التشريع بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو القراءات المجتزأة، فجوهر الرسالة القرآنية هو تحقيق الخير للإنسان، وصناعة حياة تقوم على القيم والأخلاق والعدل.
ويبقى القرآن الكريم دعوة مفتوحة للتدبر والعمل، فهو ليس مجرد نص يُتلى، بل منهج حياة يوجه الإنسان نحو الطريق الذي يحقق له الاستقامة في الدنيا والفلاح في الآخرة.




