العقاب وحده لا يمنع الجريمة
بقلم: فتحية حماد
كثيرا ما تتردد المقولة الشهيرة «من أمن العقاب أساء الأدب»، في إشارة إلى أن غياب العقاب يفتح الباب أمام التمادي في السلوك غير المنضبط.
غير أن الواقع المعاصر يكشف أن هذه المقولة، رغم وجاهتها، لم تعد كافية لتفسير ظاهرة الجريمة أو الحد منها، فمع التطور التقني وانتشار الكاميرات في كل مكان، أصبحت الجريمة أكثر كشفا وأسهل ضبطًا، سواء كانت قتلا أو سرقة أو بلطجة أو تحرشا أو اختطافا، كما باتت الأجهزة الأمنية قادرة على الوصول إلى الجناة بسرعة، وتقديمهم للعدالة في زمن قياسي. ومع ذلك لم تنخفض معدلات الجريمة، بل تتزايد وتتنوع في أشكال أكثر عنفا وتعقيدا.
وهذا الواقع يطرح سؤالا، إذا كان العقاب حاضرا وسريعا، فلماذا لا تختفي الجريمة؟
الإجابة أن الجريمة لا تنشأ فقط من غياب العقاب، بل من منظومة أعمق من الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. فقد يدفع الإدمان بعض الجناة إلى فقدان الوعي الكامل أثناء ارتكاب الجريمة، وقد تنتج الظروف الاقتصادية القاسية سلوكا عدوانيا مضطربا، كما قد يؤدي ضعف الوعي والتنشئة إلى غياب الإحساس بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع. وإلى جانب ذلك، قد يتوهم الجاني أنه صاحب حق، أو يتبنى أفكارا مضللة تبرر له فعله فيغيب عنه إدراك العواقب.
وفي هذه الحالات، لا يكون الدافع هو «أمن العقاب» بل غياب الوعي الإنساني وانهيار الضمير الداخلي وهو أخطر من أي رادع خارجي.
إن يقظة الأجهزة الأمنية وسرعة ضبط الجناة تمثل ركيزة أساسية لحفظ الأمن واستقرار المجتمع لكنها تظل علاجا للنتيجة لا للسبب، وإجرا يحد من الفوضى دون أن يقتلع جذور الجريمة.
ومن هنا فإن المواجهة الحقيقية لا تبدأ من العقاب، بل من بناء الإنسان ذاته، وعيه، وقيمه، وإدراكه لمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه، وإعادة تشكيل منظومته الأخلاقية والدينية والاجتماعية على أسس سليمة.
فالعقاب قد يردع لحظة لكنه لا يصنع إنسانا، بينما الوعي وحده هو القادر على منع الجريمة قبل أن تولد.
