recent
عـــــــاجــــل

معايير المواريث وتكريم المرأة في الإسلام

 

معايير المواريث وتكريم المرأة في الإسلام



معايير المواريث وتكريم المرأة في الإسلام


بقلم: طلعت الفاوي


يظل نظام المواريث في الإسلام واحدًا من أكثر النظم التي تعكس دقة التشريع وعدالته، فهو لم يُبنَ على أهواء أو أعراف اجتماعية متغيرة، وإنما قام على أسس ومعايير واضحة تراعي طبيعة الأسرة ومسؤوليات أفرادها، وتحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، بما يضمن وصول الحق إلى أصحابه وفق منظومة إلهية متكاملة.


وعند الحديث عن تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات في بعض الحالات، فإن اختزال الأمر في قاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين فقط يمثل قراءة سطحية لا تدرك فلسفة التشريع كاملة، لأن الميراث في الإسلام لا يعتمد على جنس الوارث فقط، وإنما يقوم على مجموعة من المعايير الدقيقة التي حددت نصيب كل وارث.


المعيار الأول يتمثل في درجة القرابة بين الوارث وبين المتوفى، فكلما كانت الصلة أقرب كان النصيب أكبر، وكلما ابتعدت درجة القرابة قل النصيب، وهذا الأمر ينطبق على الرجال والنساء دون تفرقة بسبب النوع. فالأبناء مثلًا لهم وضع مختلف عن أبناء العمومة، والأقرب أولى من الأبعد، وهو مبدأ منطقي يحقق العدالة الأسرية ويحفظ ترابطها.


أما المعيار الثاني فيرتبط بموقع الجيل الوارث في التسلسل الزمني للأجيال، فالأجيال التي تستقبل الحياة وتواجه مسؤولياتها وأعباءها المستقبلية يكون لها في بعض الحالات نصيب أكبر من الأجيال التي قطعت شوطًا كبيرًا في الحياة وأصبحت مسؤولياتها أقل، وقد يكون اعتمادها على غيرها أكبر. وهذا المعيار أيضًا لا يرتبط بكون الوارث رجلًا أو امرأة، وإنما يرتبط بالمرحلة العمرية والدور الاجتماعي المتوقع.


ويأتي المعيار الثالث وهو العبء المالي والمسؤوليات التي أوجبها الشرع على الوارث، وهو المعيار الذي يظهر فيه أحيانًا تفاوت نصيب الرجل والمرأة، إذ إن الرجل في النظام الإسلامي مُلزم بالإنفاق على الأسرة وتحمل مسؤوليات مالية تجاه الزوجة والأبناء وغيرهم من الأقارب في بعض الحالات، بينما لا تُفرض على المرأة هذه الالتزامات المالية، حتى وإن امتلكت مالًا أو ورثت ثروة.


ومن هنا فإن اختلاف النصيب في بعض الحالات لا يعني تفضيل جنس على جنس، وإنما يأتي مرتبطًا بمنظومة متكاملة من الحقوق والواجبات. فالعدالة لا تعني دائمًا المساواة الحسابية بين الجميع، وإنما تعني إعطاء كل طرف ما يتناسب مع دوره ومسؤولياته.


والدليل على ذلك أن حالات ميراث المرأة لا تقتصر على الصورة الشائعة التي يرددها البعض، بل إن المرأة في نظام المواريث الإسلامي ترث في حالات متعددة؛ فقد ترث نصف نصيب الرجل في عدد محدود من الحالات، بينما تتساوى معه في حالات أخرى، وقد تزيد عليه في حالات عديدة، وهناك صور ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل المقابل لها.


وهذا يؤكد أن قضية الميراث لا يمكن اختصارها في حكم واحد أو حالة واحدة، بل هي منظومة تشريعية واسعة جاءت لحفظ الحقوق وتحقيق التوازن داخل المجتمع والأسرة.


لقد جاء الإسلام في وقت كانت فيه المرأة في كثير من المجتمعات لا تحصل على حقها في المال ولا تُعد من أصحاب الحقوق المالية، فجاء التشريع الإسلامي ليمنحها ذمة مالية مستقلة، ويقر لها حق التملك والميراث والتصرف في مالها، وهو تحول تاريخي حمل تقديرًا كبيرًا لمكانة المرأة وكرامتها.


كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وجعل حسن معاملتهن معيارًا من معايير الأخلاق، وكانت وصيته بالنساء حاضرة في خطبة الوداع، حين أكد على حقوقهن وضرورة رعايتهن وصون كرامتهن.


ومن المؤسف أن بعض الأصوات تتناول نظام المواريث من زاوية واحدة دون دراسة شاملة لأبعاده، فتطلق أحكامًا تفتقد إلى الفهم الكامل لطبيعة التشريع الإسلامي وفلسفته القائمة على العدل والرحمة والتكافل.


إن الإنصاف الحقيقي يقتضي قراءة الأحكام في سياقها الكامل، لا اقتطاع جزء منها وبناء مواقف عليها، فالإسلام لم يكن يومًا نظامًا ينتقص من المرأة، بل جاء ليضع لها مكانة محفوظة وحقوقًا واضحة، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين أفراد الأسرة والمجتمع.


فالمرأة في الإسلام ليست طرفًا مهمشًا، بل شريك أساسي في بناء المجتمع، لها حقوق وعليها واجبات، ونظام المواريث شاهد على منظومة تشريعية راعت الإنسان بكل أبعاده، بعيدًا عن الظلم أو التمييز، وبما يحقق العدالة التي أرادها الله لعباده.


google-playkhamsatmostaqltradent