recent
عـــــــاجــــل

بصقة

بصقة


 بصقة


بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي 


"وبالوالدين إحسانًا"، وكان من إحسانه لأبيه أن بصق عليه".

التقيت ابنك ـ عرضًا – كنتَ غاديًا، بينما كان ابنك رائحًا. رحت تقترب من ابنك، منذ حين لم تجتمع به، لم تضمه إلى صدرك، لم تحكِ معه كالسابق. وددت لو عانقك ولدك؛ فيطفئ بعناقه لك جذوة البعاد، التي اشتعلت واصطليت بلهيبها عامين كاملين.

دنا منك ولدك "عاصم"، وكلما دنا أكثر كلما دق قلبك طربًا، ظننته سيرتمي في حضنك، وتأهبت لفتح ذراعيك لاستقباله؛ لتطبِّب بضمةٍ منه أوجاع الجفوة والبعد؟

دنا ولدك منك أكثر، بضع خطوات تفصل بينكما، وفجأة يبصق ولدك عن يساره بغضب. 

رسالة منه، فحواها:

- "إنني أبصق عليك".

شعرتَ بالبصقة قد ملأت وجهك، وسالت على نحرك، واستقرت على قلبك المكلوم، فأدمته؛ فرحت تئن وتتوجع، وتحبس دموعًا حارة أوقدها الوجع، حتى وصلت إلى بيتك، هويت على أقرب مقعد، ورحت تنتحب بشدة.

 لم تكن تتوقع أن يكون جزاؤك من ولدك البصاق!

كان بإمكانك أن تقتص لنفسك منه، أن تصفعه على وجهه الأثيم، أن تكيل له الضرب واللكمات، أن تستعدي عليه المارة، أن تشتكيه.. ولكنك لم تفعل شيئًا من ذلك، إيثارًا للسلامة، وحفاظًا على الخيط الناحل الذي يربط بينك وبين ولدك؛ فلعله يعود لرشده يومًا، ويدرك جريرة ما فعل، ويقدِّر صبرك عليه واحتمالك لنزقه ولسفاهاته.

كنت قد انفصلت عن زوجك قبل عامين، وقبل أن يقع الطلاق بنحو عام كانت الأم تغذي وحيدها بكراهيتك؛ ونما العقوق في نفس الصغير، حتى ترعرع وشب على كراهيتك؛ أنكر أبوتك، وجحد حقك عليه.

أنت لم تقصر في واجبك نحوه، ولكن تأثير مطلقتك عليه كان هو الأقوى.

بعد هذه الحادثة، نفضت يديك من ولدك، وكأنك لم تنجب، وكأن هذا الذي يدب على الأرض ليس من صلبك، لم ينحدر منك، لم تلاعبه يومًا، ولم تكد طوال عمرك لتوفر نفقاته ونفقات أمه الجاحدة.

مر عام، بنيت بزوجة أخرى، وبعد عامين رزقك الله منها بولد، ابتهلت إلى الله أن يجعل فيه العوض عن ابنك العاق، واستجاب الله دعاءك، وأنساك بره جحود أخيه.

وسارت بالجميع سفينة الحياة بين مد وجذر، ترتفع الأمواج تارة، وتهبط تارة أخرى.

وخلال تلك السنوات، انقطعت الصلات بينك وبين ولدك؛ آثر أن يعيش يتيمًا، عن أن يقر بأبوتك، ويحيا تحت كنفك ورعايتك، وبرغم ما تجده من بر ولدك من زوجك الأخرى، إلا أن الجرح الذي سببه لك عاصم كان من البُعد والغور ما جعله لا يلتئم، بل كان ينزف بين الحين والآخر معكرًا صفو حياتك. 

شب عاصم، وأصبح يكتسب قوته ورزقه، وعندما تيسرت أحواله، سعى إلى بناء أسرة، أعجبته فتاة، ورضيت عنها أمه، وراحا معًا يخطبانها. رحَّب بهما والد الفتاة، وفي الزيارة الثانية جابهه أبوها بهذا السؤال:

- عرفنا ونحن نسأل عنك، أن والدك على قيد الحياة، فلماذا لم يأتِ معكما؟

تلعثم، ولم يدرِ بما يجيب. فأردف والد العروس:

- معذرة، أعرف أن والديك منفصلان، ولكنك ابنهما الوحيد. 

ثم سعل قبل أن يلقي بين يديه بهذه القذيفة:

- وانفصال والديك، لا يخوِّل لوالدتك أن تدعي أن أباك ميت.

كان الكلام بالنسبة له أشبه بمن يدلق عليه ماءً باردًا، بينما كان يغط في سبات عميق. لقد استيقظ الزمن، فتذكر أن له أبًا. منذ عقدين كاملين لم يلتقِ به، ولم يسع إلى لقائه. ثم انتفض واقفًا، وخرج مسرعًا، يتوارى من الأعين المتلصصة عليه، وكأنما قد بال في ثوبه. 

عاد إلى بيته يلفه الصمت والوجوم، سألته أمه عن سبب تجهمه، ولكنه أبى أن يبوح، فلم تكن لديه رغبة في الكلام.

في صباح اليوم التالي، تأخر في نوم، فراحت أمه لتوقظه:

- لقد تأخرت عن عملك.

- لن أذهب لعملي اليوم.

- هل تعاني من مرض؟

- لا، ولكن لا رغبة لي في العمل اليوم.

- ولِمَ؟

- ولا رغبة لي حتى في الحديث.

أوصدت الباب خلفها في غضب، وهي تتمتم ببضع الكلمات، والتي كانت سبابًا، اعتاد أن يسمعه منها، في مثل تلك المواقف.

جلست الأم على أريكتها، وراحت تقلب في الهاتف، عرض لها الفيسبوك في ذكريات اليوم، صورة قديمة عن عيد ميلاد وحيدها، كانت قد نشرتها منذ سنوات طويلة، وكان عاصم في عامه الحادي عشر يتوسط بين أمه وأبيه. راحت تتأمل الصورة في شيء من المرارة والأسف.

ولحاجة في نفسها، أعادت نشر الصورة، وكتبت معها: "عقبال زفافك يا عاصم"، مع إشارة لابنها.

عندما شاهد عاصم الصورة، صرخ في وجه أمه، وقال لها موبخًا:

- لماذا أعدت نشر تلك الصورة؟ تعرفين كم أبغضه، إنه ليس أبي.

نظرت إليه في دهشة، ثم قالت؛ لتخفف من حدة الموقف:

- الأمر أبسط من ذلك، إنها صورة لك وأنت طفل صغير.

- ولكنه يشاركنا نفس الصورة.

- إنه أبوك.

- لا، ليس أبي. هل سمعتِ؟ إنه ليس أبي.

ثم أجبر أمه على محو الصورة، فمحتها.

بعد يومين جاءك اتصال من والد العروس، عرفك بنفسك، ورجاك أن تبارك اقتران ولدك بابنته. شكرته على لطفه ودماثة خلقه، واعتذرت منه.

- كيف أذهب لحفل زفاف لم أُدعَ له؟

- إنه زفاف ولدك.

- وهل تراه يعتبرني أباه؟!

ألجمت والد الفتاة الدهشة، فعقلت لسانه، ثم راح يتمتم بكلام غير مفهوم، أعقبها صمت، قبل أن يقول:

- لن أقبل بولدك ـ اسمح لي ـ إلا إذا جئت وباركت الزواج. 

- اسمح لي، لن أستطيع المجيء، وليهنأ العروسان.

ضحة غلفتها المرارة، ثم اكتسى صوته نبرة الحكماء:

- إذا كان ولدك قد عق أباه، فهل سيصون ابنتي، أويقدر أمها وأباها؟

- الأمر إليك، إن كنت تراه مناسبًا لـ ..

قاطعه بقوله:

- وهل تراني أقبل بعاق لابنتي الوحيدة؟

- ولكنه...

- لقد سألت عنكم بما فيه الكفاية، ويشرفني أن أضع يدي في يدك، ولكن لو لم تبارك تلك الزيجة، فلن أقبل بولدك.

- إن جاء إليَّ سأفعل.

ختمتَ بتلك الجملة الاتصال، وأنت تعرف صلابة رأس ولدك وجحود قلبه.

وكانت الأيام التالية حبلى بالأحداث، والتي انتهت بفشل الزيجة، لم يلن قلب عاصم لأبيه، رغم تدخل الكثيرين، ولم يوصد الأب بابه دونه، ولكن ابنه، أبى أن يطرقه.

بعد ثلاثة أشهر بنى عاصم بأخرى، رضي به أهلها، قالوا له:

- نريدك وحدك، بلا أب، حتى بلا أم.

لم يكترث لقولهم، كان كل ما يشغله أن يثبت للآخرين أنه مرغوب فيه، وسيان وجود أبيه وعدم وجوده.

نفث والد العروس في وجهه دخان سيجارته، ثم قال بعد أن سعل:

- المهم السعادة وراحة البال، إي والله راحة البال.

ثم ضحك عن نواجذ صفراء كالحة. وتمت الزيجة في أقل من أسبوعين.

كانت الأيام الأولى من الزواج هانئة مستقرة، ثم بدأت المشاكل تدب بينهما لأتفه الأسباب. والأدهى لم يكن أهلها يحلون بقدر ما كانوا يعقدون، ودائمًا ينتصرون لابنتهم، دون أن يكون الحق لها.

وراحوا يحيكون في الخفاء ما جعل زوج ابنتهم لا يذوق طعم الراحة في بيته، ولكنه تحامل كي لا يشمت فيه أحد. وصار يقضي غالب الوقت خارج المنزل بين عمله وزيارة أمه، فإذا ما انتصف الليل، عاد أدراجه إلى بيته، فيتمدد على الفراش، بجانب زوجه والتي تغط في نوم عميق.

وكما صنعت أمه مع أبيه قبل ثلاثة عقود، صنعت زوجه؛ فأبعدت أولاده عنه، ونفرتهم من أبيهم.

عاش ولدك سنواتٍ عجافًا، ذاق فيها طعم العقوق، واستساغه على مضض، وبعد وفاة أمه شعر باليتم، رغم أنه قارب الخمسين، وعانى الوحدة فلم يكن يتودد لإخوته من أبيه.

وبينما كان عائدًا ذات يوم من عمله، أوقفه أحد الجيران، وباغته بقوله:

- إن أباك على فراش الموت، أما آن لك أن تسترضيه، قبل أن يموت؟

- أبي؟ قالها، ثم ضيق بين عينيه، كأنه يتذكر شيئًا قد عفا وطواه الزمان.

- آسف، نسيت أن أمك قد أنستك آباك، حتى عددتماه في عِداد الموتى.

لم يستطع ولدك الرد، فاستأنف الجار:

- إن أباك الآن في المستشفى بين الحياة والموت.

 اكتفى ولدك بأن فغر فاه.

ربت الجار على كتفه، ثم قال وقد تغيرت نبرة صوته إلى حكيم:

- نصيحتي لك يا ولدي، أن تسترضي أباك، لعله يموت وهو راضٍ عنك. انظر إلى حالك، هل يرضيك ما أنت فيه.

نزلت كلمات الجار عليه كالماء البارد جعله يفيق من سباته الطويل

فرق قلب ولدك لكلمات الجار الطيب، كان يود أن يبره بنوه، فأسرع الخطا نحو المستشفى، وهناك التقى بزوجك وأولادكما وقد التفوا بجمعهم وتحلقوا حول فراشك وتحت قدميك.

استأذن ولدك في الدخول عليك، لكنك حرَّكت رأسك علامة النفي، ثم تناولت منديلًا، ومسحت وجهك بيدين مرتعشتين، كأنما تزيل البصاق عنه.

ألحت عليك زوجك وبنوك، ولكنك أبيت.

واجهت إلحاحهم بقولك:

- لقد حرمني من الشعور بأن لي ابن من صلبي أكثر من أربعين سنة، ويريد مني الصفح، وأنا أجود بأنفاسي الأخيرة. ما أهون العقوق إن عفوت عنه!

- ما عهدناك قاسي القلب.

- أنتم لم تذوقوا مرارة العقوق كما دقتُها ولا اصطليتم بنارها مثلي.

كان عاصم يقف في الخارج، وقد تسربل بالذل والهوان، وكانت أنظاره مصوبة نحوك، وقد أرهف السمع لكلمة سامحته، كان يتوق إلى تقبيل قدميك، لقد عاقبه الله بالعقوق، ولم تعد لديه طاقة، وآمل أن تفلح زوجك تفلح في ترضيك، فتعفو عنه.

وبينما كان يبتهل إلى الله أن تسامحه، إذ ندت عن زوجك صرخة، تبعها بكاء وعويل.

أسرع عاصم نحو الجسد الهامد، طالع في وجهك، كانت آثار بصقته منذ ثلاثة عقود لا تزال تملأ وجهك، لم يستطع الزمن أن يمحوها. فراح يلطم خديه تحسرًا وندمًا. عرض أقل


google-playkhamsatmostaqltradent