recent
عـــــــاجــــل

الهجرة المباركة وتصحيح المفاهيم

 

الهجرة المباركة وتصحيح المفاهيم

الهجرة المباركة وتصحيح المفاهيم


بقلم: رضا حليمة

ما زال حدث الهجرة النبوية المباركة يمثل نبراسا وسراجا منيرا للباحثين عن الأمل، ولأصحاب الهمم العالية والأمنيات الغالية. إن الهجرة المباركة لم تكن مجرد حدث عابر في تاريخ هذه الأمة، بل هو التاريخ معا، وما زلنا وسنظل نستلهم منها الدروس والعبر، لذلك لابد من تصحيح بعض المفاهيم حول الهجرة المباركة:

أولاً: الهجرة لم تكن فرارا أو هروبا من مكة إلى المدينة، حاشاه صلى الله عليه وسلم وحاشا أصحابه أن يهربوا أو يضعفوا فيفروا من معركة أو من حالة أو من ظروف. فلقد عُرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه القائد الشجاع بل سيد الشجعان جميعا، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم في غاية الشجاعة والإقدام. وإنما الهجرة كانت عبارة عن انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن أرض إلى أرض أخرى، لمواجهة شعب آخر وأمة أخرى وإقامة دولة متكاملة الأركان. ومع الخروج كانت نية العودة حاضرة لدى النبي صلى الله عليه وسلم ولدى الصحابة أجمعين، وما هي إلا سنوات قليلة وعادوا جميعا فاتحين منتصرين أعزة وسادة.

ثانياً: إن الهجرة لم تكن بدعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي سنة من سنن الأنبياء السابقين جميعا. فلقد هاجروا وانتقلوا من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد، لنشر دعوة الله تبارك وتعالى وتبليغ الرسالة. فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إبراهيم عليه السلام، فلقد هاجر وسجل القرآن عليه ذلك في قوله تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي}، وفي آية أخرى قال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين}، فخرج من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان، إلا أنه استقر به المقام في فلسطين، وفي المدينة التي دفن فيها وسميت باسم مدينة الخليل. وهاجر موسى عليه السلام قبل بعثته حين خرج من مصر إلى مدين، قال تعالى: {فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين}، وعاش واستقر وتزوج هناك قرابة 10 سنوات إلى أن عاد مرة أخرى إلى مصر، وغير ذلك من أنبياء الله ورسله.

ثالثاً: آيات الهجرة الشهيرة: {إلا تنصروه فقد نصره الله}، يظن البعض للوهلة الأولى أنها نزلت في الهجرة المباركة، بينما الحقيقة هي أن الآيات نزلت بعد الهجرة في العام التاسع للهجرة، أي بعد تسع سنوات من الحدث ذاته. والعلة في ذلك هو تذكير للمسلمين آنذاك أن الذي نصره قبل ذلك -ولم يكن معه إلا صاحبه- قادر على أن ينصره الآن دون الرجوع إليكم، واستعلاء للهمم، وجرس إنذار لعدم التقاعس والكسل والميل إلى الدعة والراحة.

رابعاً: لماذا لم تكن هناك سورة باسم الهجرة طالما أن الحدث كان كبيرا كما تقولون؟ إن حدث الهجرة أكبر من أن تنفرد به سورة بعينها أو تعلق عليه بعض الآيات في بعض السور، وإنما جاء هذا الحديث وذلك الحديث عن الهجرة في طول القرآن وعرضه، لذلك جاءت كلمة الهجرة والحديث عنها وعن المهاجرين في ما يقرب من 13 موضعا في القرآن، متوزعة على سبع سور قرآنية.

خامساً: هجرة عمر بن الخطاب كانت علانية وفي واضح النهار، بينما هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه كانت سرية في جوف الليل. في هذه الحالة كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمثل نفسه، وبما أعطاه الله من قوة وشجاعة وجرأة فلا ضير عليه ولا على من هو على شاكلته أن يفعل هذا. أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو يمثل أمة بأكملها، وعمله تشريع وفق وحي وأمر، لا من تلقاء نفسه ولا نزولا عن رغبة أحد. وإنما هو بمثابة الأسوة والقدوة حتى يقتدي به الجميع ويسير على دربه ونهجه وسنته، فقال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، فهو الأسوة والقدوة، وهو التشريع والمنهج.

سادساً: إن الهجرة لم تكن مجرد رحلة من مكة إلى المدينة يقطعها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه في عدة ليال وأيام، وإنما كانت خطة محكمة مدروسة بعناية شديدة، اتُخذ فيها كل الأسباب حتى تصل إلى بر الأمان وتنتهي بالنجاح. وكانت كالتالي:

اختيار الرفيق: وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

اختيار الطريق: التحرك جنوبا نحو غار ثور بدلا من الشمال باتجاه المدينة.

التمويه والخداع: مبيت علي بن أبي طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة لتضليل المشركين.

الرصد: تعيين من يرصد تحركات قريش ونقل الأخبار، متمثلا في عبد الله بن أبي بكر.

التمويل والإمداد: نقل الطعام والشراب عن طريق أسماء بنت أبي بكر الصديق وكانت حاملا.

إخفاء آثار الأقدام: وتلك مهمة عامر بن فهيرة.

الاستعانة بالخبرة: استخدام عبد الله بن أريـقط كدليل خبير بالطرق الوعرة غير المألوفة.

السرية التامة: التكتم الشديد على موعد وتفاصيل الخروج حتى اللحظة الأخيرة.

الخلاصة: إن الهجرة كانت نموذجا راقيا للتخطيط الاستراتيجي الهادئ والعميق والبناء، مراعيا صلى الله عليه وسلم كل العوامل البدنية والنفسية والسياسية والأمنية والاجتماعية. ومن هذا كله تعلمنا الهجرة بكل معانيها وأحداثها، كيف نوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله سبحانه.


google-playkhamsatmostaqltradent