recent
عـــــــاجــــل

الدكتور خالد عمران يكتب.. حديث الوطن.. ليس المطلوب أن نتفق

 

الدكتور خالد عمران يكتب.. حديث الوطن.. ليس المطلوب أن نتفق

الدكتور خالد عمران يكتب.. حديث الوطن.. ليس المطلوب أن نتفق


نائب رئيس جامعة سوهاج


لا أعرف متى أصبح الاختلاف بين الناس سببًا في اتساع المسافات، بعد أن كان طريقًا لاكتشاف العقول.

ولا أعرف متى تحول الحوار، الذي خُلق ليقرب بين البشر، إلى ساحة يغادرها الجميع وقد خسروا شيئًا من الود، وربما شيئًا من احترامهم لبعضهم بعضًا.

أصبح هذا المشهد يتكرر أمامنا كثيرًا. يبدأ الحديث هادئًا، ثم تتداخل الكلمات، وترتفع النبرات، ويتراجع الإصغاء، حتى يصبح همُّ كل طرف أن يثبت أنه على صواب، لا أن يقترب الجميع من الحقيقة. وما إن ينتهي النقاش، حتى يظن كل واحد أنه انتصر، بينما الحقيقة أن الجميع قد خسر؛ لأن الحقيقة لا تزدهر في الضجيج، ولا يولد الفهم من الرغبة في الغلبة.

ولعل أجمل ما في الحياة أن الناس لم يُخلقوا نسخًا متطابقة. فاختلاف الطباع، وتنوع الخبرات، وتباين وجهات النظر، ليست عيوبًا ينبغي التخلص منها، وإنما هي جزء من الحكمة التي قامت عليها الحياة. ولو تشابهت العقول في كل شيء، لما تطور علم، ولا ازدهرت حضارة، ولا أضاف إنسان إلى ما تركه من سبقه.

ولهذا لم يكن الاختلاف يومًا هو الخطر…

الخطر الحقيقي يبدأ عندما نفقد أخلاق الاختلاف.

عندما نظن أن مخالفة الرأي تعني فساد النية، وأن قوة الحجة تُقاس بارتفاع الصوت، وأن احترام الإنسان لمن يخالفه ضعفٌ في موقفه، لا قوة في شخصيته.

وقد لخص القرآن هذا المعنى في كلمات قليلة تحمل من العمق ما تعجز عنه صفحات طويلة، حين قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

توقفت طويلًا أمام هذا التعبير القرآني البديع.

لم يقل: وجادلهم.

بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

وكأن الرسالة لا تتعلق بالحوار وحده، بل بالطريقة التي يُدار بها الحوار، لأن الفكرة العظيمة قد تفقد قيمتها إذا حملتها كلمة قاسية، ولأن الرأي الصائب قد يخسر أثره إذا قيل بغير أدب.

ومن واقع سنوات طويلة قضيتها بين قاعات الدرس، ومدرجات الجامعة، ومناقشات الباحثين، ازددت يقينًا بأن الجامعة لا تؤدي رسالتها الحقيقية إذا خرج منها الطلاب يحفظون المعلومات ولا يحسنون الحوار.

فالجامعة لم تُبنَ لتجمع عقولًا متشابهة، وإنما لتصنع إنسانًا يعرف كيف يفكر، وكيف يناقش، وكيف يراجع نفسه إذا ظهر له ما هو أقرب إلى الصواب، وكيف يحترم الرأي الذي يخالفه دون أن يتنازل عن قناعته.

وفي البحث العلمي، لا يشعر الباحث بالإهانة لأن أحدًا ناقش فكرته، بل يشعر بالامتنان؛ لأن كل سؤال جديد يمنحه فرصة جديدة ليجعل فكرته أكثر نضجًا، وأكثر اكتمالًا. وهكذا تتقدم المعرفة… لا باتفاق الجميع، وإنما بحوار الجميع.

ولذلك، كلما تأملت ما يدور حولنا، ازددت اقتناعًا بأن أكثر ما يحتاجه مجتمعنا اليوم ليس أن تتشابه آراؤه، وإنما أن ترتقي أخلاق الحوار فيه.

ولعل أكثر ما يؤلمني أن كثيرًا من الخلافات لم تعد تنتهي عند حدود الفكرة، بل تمتد إلى صاحبها. نختلف حول قضية، فنبدأ في الحكم على النيات. ونتباين في اجتهاد، فننسى سنوات من المودة والاحترام. وكأن الإنسان أصبح يُختزل في رأي واحد، فإذا اختلف معنا فيه، سقطت في أعيننا كل فضائله.

وهذا، في تقديري، من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع.

فالإنسان أكبر من رأي، وأوسع من موقف، وأغنى من اجتهاد واحد. وقد يغيّر الإنسان قناعته إذا ظهر له الدليل، وقد يراجع فكره إذا اتسعت خبرته، لكن الكلمات الجارحة التي نقولها في لحظة انفعال قد تترك جراحًا لا يداويها الاعتذار.

ولذلك كان من أجمل ما تعلمته في الحياة أن الإنصات ليس مهارة في التواصل فحسب، بل هو خلق من أخلاق الكبار. فالذي يحسن الاستماع لا يفعل ذلك لأنه أقل علمًا، بل لأنه أكثر ثقة بنفسه، وأشد احترامًا لعقول الآخرين. ولعل في قول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ إشارة بليغة إلى أن بداية الحكمة ليست في الكلام، وإنما في حسن الاستماع.

وليس خافيًا أن وسائل التواصل الاجتماعي، على ما قدمته من فرص عظيمة للتقارب وتبادل المعرفة، قد أسهمت أحيانًا في صناعة مناخ يفضل سرعة الرد على عمق الفهم، ويكافئ الإثارة أكثر مما يكافئ الحكمة. فأصبح كثيرون يكتبون ليهزموا خصومهم، لا ليقنعوهم، ويتابعون عدد الإعجابات أكثر مما يتابعون أثر الكلمة في النفوس.

ولو أن كل واحد منا سأل نفسه قبل أن يكتب أو يتحدث: هل ستقرب كلمتي بين الناس أم ستزيد المسافة بينهم؟ لتغير كثير من أسلوب حوارنا.

إن الأمم لا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما بكثرة الذين يعرفون متى يتحدثون، وكيف يتحدثون، ومتى يصمتون. فالكلمة مسؤولية، والحوار أمانة، والاختلاف لا يصبح ثراءً إلا إذا حفظ للناس كرامتهم، وترك بينهم بابًا مفتوحًا للقاء من جديد.

ولقد علمتنا التجارب أن المجتمعات القوية ليست تلك التي يخلو أفرادها من الاختلاف، وإنما تلك التي تجعل من اختلافها وسيلة لاكتشاف أفضل الحلول، لا سببًا لتبادل الاتهامات. فحين ينتصر الدليل على الهوى، والحكمة على الانفعال، يصبح التنوع مصدر قوة، لا بداية انقسام.

وحين أنظر إلى وطننا العزيز مصر، يزداد يقيني بأن ما جمع أبناءه عبر آلاف السنين كان دائمًا أكبر مما اختلفوا حوله. تغيرت أجيال، وتعاقبت أفكار، وتبدلت اجتهادات، لكن بقيت مصر لأنها كانت دائمًا أوسع من أن يختصرها رأي، وأكبر من أن تحتملها رؤية واحدة.

ومن هنا، فإن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بمدى اتفاقنا في كل قضية، وإنما بقدرتنا على أن نحافظ على وحدتنا ونحن نختلف، وأن نجعل من مصلحة الوطن السقف الذي تلتقي تحته كل الآراء، فلا يتحول الخلاف إلى خصومة، ولا يصبح التنوع بابًا للفرقة، بل مصدرًا للإثراء والنضج.

ولعل هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها مؤسساتنا التربوية، وفي مقدمتها الجامعات. فوظيفة الجامعة ليست أن تُخرج متخصصين فحسب، وإنما أن تُخرج مواطنين يعرفون كيف يفكرون، وكيف يتحاورون، وكيف يختلفون بأدب، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقله، ويكتمل ببناء أخلاقه.

وأحسب أن من أعظم صور النضج الفكري أن يدرك الإنسان أن اقتناعه بفكرة لا يمنحه حق مصادرة أفكار الآخرين، وأن قوة منطقه لا تعفيه من حسن خلقه، وأن احترامه لمن يخالفه لا ينتقص من ثباته على قناعته، بل يزيدها وقارًا.

لقد علمتنا الحياة أن كثيرًا من الآراء التي دافعنا عنها يومًا تغيرت مع الزمن، وأن كثيرًا من القضايا التي ظنناها فاصلة أصبحت بعد سنوات مجرد محطات عابرة. أما الكلمة الطيبة، والخلق الكريم، وحسن المعاملة، فهي التي بقيت في الذاكرة، وهي التي صنعت أجمل العلاقات، وأبقت للناس ودهم واحترامهم.

لهذا، لم يعد السؤال الذي يشغلني: كيف أجعل الناس يتفقون معي؟

بل أصبح السؤال الأجدر بأن يشغلنا جميعًا: كيف نجعل اختلافنا أكثر رقيًا، وحوارنا أكثر إنصافًا، ومجتمعنا أكثر تماسكًا؟

لأن الأمم لا تبنى حين ينتصر رأي على رأي، وإنما حين ينتصر الاحترام على التعصب، والحكمة على الانفعال، والمصلحة العامة على نزعة الغلبة.

ولذلك…

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء.

فذلك أمر لم تعرفه الحياة يومًا، ولن تعرفه.

وإنما المطلوب أن يبقى بيننا من الأدب ما يحفظ للحوار قيمته، ومن الحكمة ما يجعلنا نبحث عن الحقيقة قبل أن نبحث عن الانتصار، ومن المحبة ما يجعل اختلافنا يزيدنا قربًا، لا بعدًا.

فقد نختلف في الرأي…

لكن لا ينبغي أن نختلف في الأخلاق.

وقد تتباين اجتهاداتنا…

لكن ينبغي أن يبقى وطننا هو المساحة التي تتسع لنا جميعًا.

فالأوطان لا تحتاج إلى عقول متطابقة…

بل تحتاج إلى عقول متحاورة، وقلوب متسامحة، ونفوس تؤمن أن الاختلاف إذا أحسنا إدارته، كان أحد أجمل صور الحضارة، وأصدق علامات قوة المجتمع.

google-playkhamsatmostaqltradent