سطوة الواقع داخل التخيل دراسة نقدية في مجموعة "حضن فائت" للقاص سعيد محمد المنزلاوي، للناقد الدكتور كمال اللهيب
كتب د. سعيد محمد المنزلاوي
بين يدي الدراسة" "وتصل النهاية هنا إلى ذروة تصاعد أزمة الشخصية في عالمها، وافتقادها الأمان والخلاص على مستوى التخيل والواقع في آن."
تتمحور قصص مجموعة "حضن فائت" للقاص "سعيد محمد المنزلاوي" حول واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية في الواقع المعيش، وهي الصراع الأسري والانفصال، وتتوالى قصص المجموعة الجوانب المختلفة والمتشابكة للموضوع من زواياه المتعددة، عبر ثلاثة عشر قصة، توزعت على ثلاثة أقسام هي 1- الصدع 2- السرب 3- اليتم، من وجهات نظر ثلاث هي الرجل/ المرأة/ الأبناء.
وتتضح سطوة الواقع على التخيل الذي يستند في كل مرجعياته إلى ذلك الواقع، مما جعل أولى وظائف التشكيل السردي هو تمثيل الموضوع تمثيلاً أميناً مع ذلك الواقع لاستقصاء أطراف الظاهرة الاجتماعية محور السرد، ولم تشطط نصوص المجموعة في فخ الإيديولوجيا المسبقة جاهزة الصنع، التي تنتصر انتصاراً أعمى مسبقاً للمرأة وتجعلها دائماً في موقع المظلومية، في مقابل حصر الرجل داخل موقع الجاني المسئول عن كل الأخطاء دائماً، كما في الكثير من الأعمال الأدبية التي يتشكل تخيليها في ضوء تلك الموضة الثقافية، والتي نرى أنها قد أضرت بقضية المرأة أكثر مما أفادتها وجعلتها بعيدة عن الواقع مما أفقدها الكثير من مصداقيتها، ففي الواقع نجد أن المرأة قد تكون مظلومة ومقهورة وقد يكون كذلك الرجل، ولن يتحقق الخلاص من تلك الحلقة المفرغة إلا بالانتصار لما هو إنساني أولاً وأخيراً، والخروج من دائرة التحيز الجندري المسبق.
وقد تجلت سطوة الواقع على التخيل في سعي نصوص المجموعة إلى إقامة صورة أمينة مع الواقع تعيد التوازن المفقود في كثير من الكتابات التي تناولت تلك القضية، فنجد نماذج مثل الرجل المقهور من المرأة، ورؤية القضية من منظور الضلع الثالث وهو الأبناء.
تجسد قصة "حضن فائت" شخصية الأستاذ "شكري" نموذج الرجل المعلم التربوي المسالم ورب الأسرة التقليدي، الذي تتعارض شخصيته مع شخصية زوجه "رجاء" الفنانة التشكيلية ذات الروح المتمردة، التي تشعر بالملل من حياتها معه وتصف علاقتها به بالرمادية والباردة، وهو يواصل حياته الزوجية معها متحملاً من أجل ابنه الوحيد، وتؤكد القصة نموذج الرجل المقهور في لحظة الطلاق على عكس النظرة السائدة لتلك اللحظة التي تجعل منها لحظة ضعف عند المرأة، ففي القصة تصبح المرأة هي صاحبة القرار والسيادة والرجل هو من يعاني من هول الصدمة وذلك عبر توظيف تقنية الفلاش باك:
"تذكر يوم أوقع الطلاق، وكيف كان متردداً في التوقيع على تلك الورقة والتي ستحرمه من ابنه، حيث تؤول حضانته إلى أمه، ولكن المرأة المبغضة اختطفت منه الوثيقة وهرتها باسمها، لتلتفت وفي وجهه أنفاسها الحارقة، والتي أت على بقايا الحب في قلبه نحوها وأحالـتها إلى رماد" (حضن فائت، مجموعة قصصية، د. سعيد محمد المنزلاوي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، ص13).
ويكثف مشهد صعود الأستاذ "شكري" إلى منصة التكريم، بوصفه المعلم المثالي وسط تصفيق القيادات التعليمية وأولياء الأمور وتلامذته الذين يلقون عليه "بابا شكري" عن واحدة من أعمق درجات القهر والفقد التي يعاني منها الرجل في غياب ابنه: في أثناء التقاط الصور التذكارية، كانت عيناه تتقصان الحضور، كان يتوق لرؤيته، لاحتضانه، لأكثر من شهرين لم يملأ مقلتيه بمحياه، عدم حضوره فقده نشوة التكريم، لم يكن يعنيه أحد من الحاضرين، هو وحده الذي سيفتخر به، سيحصد معه ثمرات هذا التكريم، سيقف بين أزراره، ويشير إليه، ويقول بعلو فيه: هذا أبي، ولكنه لم يأت، ولم يقلها" (قصة حضن فائت، ص8).
في قصة "السرب" تنعكس الأدوار السردية للشخصيات، حيث الرجل الكاتب الطموح الذي يستغرق كل وقته في عمله بين أوراقه وكتبه، والمرأة ربة البيت التقليدية، التي تغير على زوجها من كتبه وأوراقه، فتقوم بحرقها:
"راحت تسكب الكيروسين على أوراقه ومخطوطاته وكتبه، وفي ساعة واحدة، تحولت تلك الأكوام المكدسة من الكتب والأوراق على أرف مكتبته، والتي ازدحمت بها شقته وزاحمتها في زوجها، تحولت إلى رماد بفعل قبضتي يديها، ومنحتها النيران حال اشتعالها بعض الدفء، الذي جعلها لا تبالي بريح ديسمبر، وسرت عبر النافذة المفتوحة رياح باردة، نثرت الرماد في أرجاء الغرفة، فاستمتعت وهي تشعر بلذة الانتصار" (قصة السراب، ص53)
يقود فعلها هذا علاقتهما الفاترة إلى ذروتها، لتصل إلى النهاية المحتومة بالانفصال، وأسلوب الانفصال الذي تؤكده نصوص المجموعة مستقاة من الواقع ومصادمة معه، ومنبعها بالأساس هو عدم التوافق بين الزوجين، وليس بالضرورة بسبب أن أحدهما ملاك والآخر شيطان. وهذا ملمح آخر لسطوة الواقع على التخيل.
