ما زلت حية ... يا أبي
كتب د. سعيد محمد المنزلاوي
"مات فيَّ الشغف؛ ليس كله... فما بقي منه يحتضر."
- كيف حالك يا ابنتي؟
ساد صمت قصير، ثم جاءه صوتها خافتًا، مثقلًا بالهموم:
- ما زلت حية، يا أبي.
تجمدت الكلمات على شفتيه، وشعر كأن شيئًا انكسر داخله.
لم تكن جملة عابرة؛ بل كانت تحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن احتوائه.
قال بصوت حاول أن يخفي ارتجافه:
- مم تشتكين؟
طال صمتها حتى خُيِّل إليه أنها أغلقت الهاتف. ثم همست:
- من نفسي.
- نفسك؟ وما جنايتها هذه المسكينة؟
وعادت المسافة بينهما مثقلةً بالسكون. ثم أغلقت هاتفها.
أعاد الاتصال بها مرة بعد أخرى، لكن دون جدوى.
راحت كلماتها القصيرة: «ما زلتُ حيَّةً... يا أبي.» تتردد في أذنيه كأنها استغاثة جاءت متأخرة. كان يدرك أنها كلما ضاقت بها الدنيا، عادت إليه. لكنها كانت تعجز عن البوح.
كانت مثالًا للحيوية؛ تستيقظ مع أول شعاع للشمس، ولا تنام إلا في ساعة متأخرة.
كانت تمضي في أعمالها بخفة نحلةٍ لا تعرف الكلال؛ تحيل السكون حركةً، والركودَ عملًا.
توقظ الهمم بكلمة، وتبعث الأمل بابتسامة، فاستحقت محبة زملائها واحترامهم جميعًا.
إلى أن جاء يومٌ تبدلت تلك الفتاة التي عرفها الجميع. انطفأ ذلك البريق الذي سكن عينيها، وذوت كزهرة فقدت لونها وعبيرها.
صارت شاحبةَ الوجه، مطرقة الرأس، كثيرة الشرود، حتى ليخالُ مَن يراها أن روحها غادرت جسدها.
وفي ذروة ذلك الانطفاء، دخل حياتها رجل، كان أرفق بها من نفسها. ومنذ تعارفا، كان أبرع الناس في قراءة صمتها. فغدا ملاذها كلما ضاقت بها الدنيا.
كانت تناديه دومًا: يا أبي؛ فكانت بالنسبة إليه ابنة وهبها القدرُ له بعدما حرمه نعمة الأبوة. والفارق في العمر بينهما يكفي ليمنح الكلمة معناها.
لكن الذي منحهما حقيقتها لم يكن العمر، بل ذلك الأمان الذي وجدته عنده، كأن الأرواح تعارفت قبل أن يلتقيا.
تساءل الجميع: ما الذي حدث؟
لكن أحدًا لم يعرف الجواب. وكانت هي وحدها تعرف أنَّ ما انكسر في داخلها لا يُرى بالعين.
كان يعلم أنها تحمل حزنًا عميقًا، وإن لم يكن يعرف تفاصيل ذلك الحزن الساكن في عينيها.
لم يكن يتصل بها كل مساء، ليسأل عن يومها، بل ليتأكد أن روحها ما تزال تقاوم الانكسار.
وفي ذلك المساء، ألقى بجسده على فراشه، وأغمض عينيه، لكن النوم جفاه. كلما أوشك أن يستسلم للنعاس، نهض مذعورًا، يتناول هاتفه.
في الصباح، أضاءت شاشة هاتفه برسالة قصيرة.
- مغضبةٌ منك يا أبي.
ابتسم رغم إرهاقه، وأجاب:
- الحمد لله أنك بخير... ولكن، ممَّ غضبك؟
جاءه الرد سريعًا:
- لأنني احتجتك، فلم أجدك.
ظل يحدق في الكلمات طويلًا، ثم كتب:
- حاولت الاتصال بك مرارًا، غير أنَّ هاتفك كان مغلقًا.
أرسلت وجهًا عابسًا، ثم كتبت بعتاب طفولي:
- كان ينبغي أن تجد طريقة أخرى.
كانت وسط كل ما يعتصرها من ألم، تحتفظ بشيء من طفلة صغيرة، تغضب ممن تحب، لأنها تريده حاضرًا دائمًا.
كتب مازحًا:
- وما تلك الطريقة السحرية التي فاتتني؟
لم تجبْ، وأرسلت رموزًا تعبيرية باكية، كانت تريد أن يقرأ وجعها الذي عجزت الكلمات عن حمله.
سألها:
- لماذا كل هذه الدموع؟
جاءه الرد بعد دقائق:
- اسأل نفسك.
- سألتها، فآثرت الصمت.
- هكذا أنتم، معشر الرجال، تجرحون القلوب، ثم تقفون تتساءلون: من فعل هذا؟
ظل يتأمل الرسالة طويلاً. كان يشعر أن شيئًا أكبر من الكلمات يختبئ خلفها.
انشغل طوال النهار بالعمل، وبين الحين والآخر، يتصل بها، لكن بلا جدوى. ترك لها رسائل وانتظر أن تفتح هاتفها. طال به الانتظار، حتى تسرب القلق إلى قلبه.
قاوم رغبةً شديدةً في النوم، لكنَّ مقاومته خارت، فاستسلم، مرغمًا، لسلطان النوم.
استيقظ على رسالة منها:
- ما زلت أفتقدك.
وتحتها قلب جريح.
اتصل بها فورًا:
- أنا بجانبك.
- أين؟
- كيف حالك، أولًا؟
- ما زلت حية.
- هلَّا أخبرتني بما يؤلمك يا ابنتي؟
- لا شيء يؤلمني البتة يا أبي.
- أرجو ذلك.
تحدثا في أمور شتى... حتى حان وقت العمل، فاستأذنها في الانصراف، فباغتته:
- تنصرف قبل أن تعرف ما يؤلمني؟
- ألم تخبريني، ألا شيء يؤلمك؟
- وهل صدقتني؟
- صراحة، لا.
قالت بامتنان:
- لا أدري كيف يختفي ألمي كلما تحدثت معك.
لم يعرف بما يجيبها، فأردفت لترفع عنه الحرج:
- غدًا عطلة، يضايقك أن نقضيها سويًا؟
ابتسم لأول مرة منذ أيام.
- بكل سرور، فأنا بحاجة للتريض.
أرسلت وجهًا مبتسمًا.
سبقها إلى المنتزه، لمحها من بعيد. كانت تمشي ببطء. وجهها ما يزال شاحبًا، غير أن ثمة هدوءًا غريبًا ارتسم على ملامحها.
فلما اقتربت، ابتسمت ابتسامةً واهنة، وسارا جنبًا إلى جنب تحت ظلال الأشجار الوارفة، يتأملان، في صمت، عناق الأغصان ونجوى الزهور.
تساقطت أوراقٌ صفراء، فدارت مع الريح قليلًا، ثم استقرت على الأرض في استسلام.
استطال الصمت بينهما، حتى خُيل إليه أن الطبيعة وحدها هي التي تتكلم.
ثم قالت بصوتٍ خفيض:
- هل تعرف أنني فكرت في الانتحار؟
فغر فاه دهشًا، ثم ردد آخر كلمة نطقت بها:
- الانتحار؟!
- نعم.
وقالتها بهدوءٍ أخافه أكثر من الصراخ.
وضع يده على قلبه، لا يدري ماذا يقول، فاسترسلت:
- ما قيمة الحياة؟ لم يعد لدي شغف لشيء.
- لكننا نحياها بكل ما فيها من سعادة وألم.
- لقد سئمت هذه الحياة.
حدَّق في عينيها، فرأى فيهما حزنًا عميقًا.
كان يحارب في تلك اللحظة معركةً داخلية لا تقل قسوةً عن معركتها. وأدرك أنه بات يخشى عليها خوفًا لم يعد يعرف له اسمًا.
صاحت فيه:
- أين ذهبت يا أبي؟
انتبه من خيالاته.
- معك.
- ليتك فعلًا معي.
أراحه ردها.
سارا قليلًا، ثم جلسا تحت شجرة وارفة، كانت تظلل المكان. بادرها بقوله:
- أخبريني، لماذا فكرت في الانتحار؟
- الانتحار؟ لا... انسَ ما قلته.
ثم عادت إلى الصمت.
حملق في عينيها، فأدرك أن خلف عينيها سرًّا. لم يكن أوانه قد حان بعد.
مضت أسابيع، ثم شهور، أخذت تستعيد شيئًا فشيئًا توازنها.
وذات صباح، أرسلت إليه صورةً لشروق الشمس.
وكتبت تحتها:
ـ منذ زمن لم أنتبه إلى أن الفجر جميل هكذا.
قرأ الرسالة، فانفرجت أساريره. وأحسَّ أن الوردة التي أوشكت أن تذبل... بدأت تستعيد لونها وأريجها.
بعد يومين، اتصلت به، كان الفرح يفيض من صوتها وهي تقول له:
- لقد عاد.
ساد صمت قصير.
ثم راحت تحكي له عن حبيبها الذي سافر قبل سنوات بحثًا عن عمل، تباعدت الأيام، وانقطع خبره، وظنت أنه تخلى عنها أو خانها. ثم عاد يحمل اعتذارًا وأحلامًا مؤجلة.
كان يصغي إليها، فيما كان ذهنه يغرق في صمتٍ بعيد.
لم يكن يدري أن وراء انكسارها قصةَ حبٍّ ظنت أنها انتهت إلى الأبد.
وفي تلك الليلة لم ينم، زاد شعوره بالغربة والوحدة معًا.
ولم تمضِ أشهر حتى تم زواجها. وبعد عام رزقت بطفلة تشبهها. غدا زوجها وابنتها عالمها كله.
ورغم انشغالها بعائلتها، ظل هو صديقها الأقرب. عرَّفته على زوجها فصار فردًا من العائلة. كبرت ابنتها وهو قريب منها، ونادته: يا أبي، مثل أمها.
في إحدى الأماسي، التي جمعتهم، طلبت منه ابنتها أن يحكي لها قصة.
ارتدَّ بذاكرته بعيدًا، كأنما يستعيد تاريخًا طواه الزمن، وضم الصغيرة إلى صدره، وقال:
- سأحكي لك قصة عن وردة ذبلت، وكادت أن تفقد أريجها، حتى جاء مَن سقاها من عمره وصبره، حتى أزهرت.
نامت الطفلة على كتفه.
نظر إلى أمها، وراح يستنشق عبير الطمأنينة التي عادت إليها.
رضي أن يبقى خريفُ قلبه... ما دام ربيعُها مزهرًا.
