جامعة كيان.. مشروع تعليمي لصناعة الإنسان ورسم خريطة المستقبل
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة السابق
رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لتعليم الكبار
تحتل قضية بناء الإنسان موقعًا متقدمًا في سياسات التنمية الحديثة، باعتبار التعليم الأداة الأقدر على تنمية القدرات البشرية وتحويل المعرفة إلى طاقة منتجة تسهم في تقدم المجتمع. وقد اكتسب التعليم الجامعي على وجه الخصوص مسؤولية أكبر في إعداد كوادر تجمع بين التأهيل العلمي والكفاءة المهنية، وتمتلك مهارات التفكير والابتكار والتعامل الواعي مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يحقق ارتباطًا حقيقيًا بين مخرجات المؤسسات التعليمية واحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
وتفرض هذه المسؤولية مراجعة فلسفة الجامعة ووظيفتها، فالمؤسسة الجامعية لا تؤدي رسالتها بمجرد تقديم البرامج الدراسية ومنح الدرجات العلمية، وإنما تتحدد قيمتها بقدرتها على تكوين خريج يمتلك معرفة رصينة، ومهارة قابلة للتوظيف، وشخصية قادرة على التعلم والتطوير واتخاذ القرار. ويضع هذا التصور الطالب في صميم العملية التعليمية، بوصفه مشروعًا لبناء إنساني ومهني متكامل.
وتقدم جامعة كيان تجربة تعليمية تستحق القراءة من هذه الزاوية، إذ تتبنى توجهًا يقوم على التعليم التطبيقي والربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة المهنية، مع الاهتمام بالتكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال. وهي مرتكزات ترتبط مباشرة بطبيعة الوظائف الجديدة وبالتحولات التي طرأت على احتياجات المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية.
ويحمل اسم كيان دلالة تتسق مع هذه الفلسفة؛ فالكيان بناء متكامل له هويته وخصائصه وأهدافه. والتعليم، وفق هذا المعنى، عملية بناء تتناول شخصية الطالب في أبعادها العلمية والمهنية والإنسانية، ولا تختزل دوره في تلقي المقررات أو اجتياز الاختبارات. فالطالب يمتلك قدرات تحتاج إلى الاكتشاف والتوجيه والتدريب، ومسؤولية الجامعة أن توفر البيئة التي تساعده على تحويل هذه القدرات إلى كفاءة حقيقية.
وتقوم رؤية جامعة كيان على تقديم تعليم حديث يتوافق مع توجهات الدولة المصرية في التنمية المستدامة وبناء الإنسان، من خلال إعداد كوادر قادرة على المنافسة في سوق العمل المحلي والدولي، ودمج التكنولوجيا والابتكار في العملية التعليمية، ودعم البحث العلمي والتطبيقات العملية، وتنمية مهارات التفكير والإبداع وريادة الأعمال لدى الطلاب.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من طبيعة التغير الذي أصاب سوق العمل. فقد أعادت الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تشكيل عدد كبير من الوظائف، وظهرت مجالات مهنية ترتبط بتحليل البيانات والتقنيات الرقمية وإدارة المعرفة والخدمات الذكية. وأصبح إعداد الخريج مرتبطًا بقدرته على تطوير مهاراته والتكيف مع متطلبات مهنية قابلة للتغير، إلى جانب ما يحمله من معرفة تخصصية.
لهذا يمثل التعليم التطبيقي أحد المسارات المهمة لتقريب المسافة بين الجامعة وسوق العمل. ولا يقوم هذا النوع من التعليم على المفاضلة بين المعرفة النظرية والممارسة، بل على التكامل بينهما. فالمعرفة العلمية تمنح الطالب أساسًا للفهم والتحليل، بينما يحول التدريب والتطبيق هذه المعرفة إلى قدرة على الأداء وحل المشكلات والتعامل مع المواقف المهنية.
وتتبنى جامعة كيان هذا التوجه من خلال الاهتمام بالتدريب العملي، وتطوير مهارات الطلاب، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التعليم، وبناء علاقات مع مؤسسات المجتمع وسوق العمل، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال. وتمثل هذه العناصر جزءًا رئيسًا من جودة المخرجات التعليمية، خاصة أن جهات العمل أصبحت أكثر اهتمامًا بقدرة الخريج على الأداء والتواصل والعمل الجماعي واستخدام التكنولوجيا وإدارة المهام.
ويفرض الذكاء الاصطناعي بدوره مسؤوليات تعليمية جديدة. فانتشار تطبيقاته في قطاعات الإنتاج والإدارة والخدمات والبحث العلمي يتطلب إعداد طلاب يمتلكون القدرة على استخدامها وفهم طبيعتها وحدودها. ولا تكفي المعرفة التقنية وحدها لتحقيق ذلك، إذ يحتاج الطالب إلى التفكير النقدي، والقدرة على التحقق من المعلومات، وفهم السياق، وإدراك الجوانب الأخلاقية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا.
ومن المهم هنا النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتوسيع قدرات الإنسان، لا بديلًا عن العقل البشري. فالقدرة على طرح الأسئلة وتحليل المواقف واتخاذ القرارات المرتبطة بالقيم والمسؤولية تظل من صميم الدور الإنساني. ومن ثم يصبح دور الجامعة أكثر ارتباطًا ببناء العقل القادر على استخدام التكنولوجيا بوعي وكفاءة.
ويعكس اهتمام جامعة كيان بالمجالات المرتبطة بالتكنولوجيا والإدارة والعلوم التطبيقية والتخصصات المهنية توجهًا نحو البرامج التي ترتبط باحتياجات الاقتصاد الحديث. ويتطلب نجاح هذه البرامج مراجعتها بصورة دورية، والاستفادة من مؤشرات سوق العمل، والتطورات العلمية والتكنولوجية، وآراء المتخصصين ومؤسسات العمل.
فالبرنامج الأكاديمي لا يمكن التعامل معه باعتباره بناءً ثابتًا. وتطوير المحتوى والمقررات وأساليب التدريس ضرورة للحفاظ على جودة التعليم وقدرة الخريجين على المنافسة. كما أن مشاركة مؤسسات سوق العمل في تحديد المهارات المطلوبة توفر للجامعة رؤية أكثر دقة بشأن طبيعة الكفاءات التي ينبغي تنميتها لدى الطلاب.
ويمثل الطالب المحور الرئيس في نجاح هذه المنظومة. فالجامعة مطالبة بتوفير بيئة تعليمية تمنحه فرصة البحث والمناقشة والتجريب والعمل في المشروعات، وتدربه على تحليل المشكلات وتقديم البدائل. ويحتاج التعليم الجامعي إلى تعزيز استقلالية الطالب في التعلم، لأن قدرته على اكتساب المعرفة وتحديث مهاراته ستظل ملازمة له طوال حياته المهنية.
وفي هذا السياق يتطور دور الأستاذ الجامعي كذلك. فإتاحة المعلومات عبر المنصات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تقلل من قيمة الأستاذ، لكنها جعلت مهمته أكثر تخصصًا وتأثيرًا. فهو المسؤول عن توجيه عملية التعلم، وبناء المواقف التعليمية، ومساعدة الطلاب على تحليل المعرفة ونقدها وتطبيقها، وربط التخصص بالقضايا والمشكلات الحقيقية.
وتحتل الشراكة بين الجامعة ومؤسسات سوق العمل أهمية واضحة في نموذج التعليم التطبيقي. ويبدأ هذا التعاون من دراسة الاحتياجات المهنية وتصميم البرامج، ويمتد إلى التدريب والمشروعات التطبيقية والبحث العلمي ومتابعة الخريجين. وتساعد هذه العلاقة على تحديث البرامج وتحسين مستوى التأهيل، كما تمنح الطالب معرفة واقعية ببيئة العمل قبل التخرج.
ولا ينبغي أن يقتصر دور الجامعة على إعداد طالب ينتظر فرصة وظيفية، فريادة الأعمال تفتح أمام الخريجين مسارات أخرى للمشاركة الاقتصادية. وتعليم الطالب كيفية دراسة الاحتياجات، وتطوير الأفكار، وإدارة المشروعات، وفهم المخاطر والموارد، يسهم في بناء شخصية قادرة على المبادرة وصناعة الفرص.
ويتصل بذلك مفهوم التخرج ذاته. فالنجاح في المقررات الدراسية يثبت تحصيل الطالب للمتطلبات الأكاديمية، لكنه يحتاج إلى أن يقترن بقياس الكفاءات التي اكتسبها. ويصبح تقييم الخريج أكثر دقة بالنظر إلى قدرته على تطبيق المعرفة، وحل المشكلات، واستخدام التكنولوجيا، والتواصل، والعمل ضمن فريق، والتعلم بصورة مستقلة.
وتأتي جامعة كيان إضافة إلى منظومة التعليم العالي المصري في مرحلة تحظى فيها قضية بناء الإنسان بأولوية واضحة في خطط الدولة. ويشكل التعليم الجامعي أحد أهم روافد هذه العملية، لما يمتلكه من قدرة على إعداد الكوادر وتطوير المعرفة ودعم الابتكار وربط البحث العلمي بقضايا التنمية.
وتملك مصر قاعدة بشرية شابة تمثل موردًا مهمًا للتنمية، ويتوقف تعظيم الاستفادة منها على جودة التعليم وفرص التدريب والقدرة على اكتشاف المواهب. فالاستثمار في الإنسان ينعكس على كفاءة المؤسسات والإنتاج والاقتصاد، ويمنح المجتمع قدرة أكبر على التعامل مع التحديات وتحقيق أهدافه التنموية.
وتقاس قيمة التجارب الجامعية الحديثة بنوعية الخريج الذي تقدمه للمجتمع. والخريج المؤهل هو من يجمع بين المعرفة والمهارة، ويستطيع تطوير نفسه، ويستخدم التكنولوجيا بكفاءة، ويمتلك القدرة على التفكير والتحليل والعمل مع الآخرين، إلى جانب وعيه بمسؤوليته المهنية والمجتمعية.
ومن هذه الزاوية، تطرح جامعة كيان نموذجًا تعليميًا يربط المعرفة بالمهارة، والدراسة بالتطبيق، والجامعة بمؤسسات المجتمع والعمل. ويظل نجاح هذا النموذج مرتبطًا بجودة التنفيذ، والتطوير المستمر للبرامج، وكفاءة البيئة التعليمية، وقدرتها على الاستجابة للمتغيرات العلمية والمهنية.
التعليم صناعة دقيقة للإنسان، تبدأ ببناء العقل وتنمية القدرة على التفكير، وتمتد إلى اكتساب المهارة وتكوين الشخصية وتحمل المسؤولية. والجامعة التي تنجح في أداء هذه الرسالة تقدم للمجتمع أكثر من خريج يحمل مؤهلًا جامعيًا؛ إنها تقدم إنسانًا يمتلك أدوات المشاركة والإنتاج وصناعة مستقبله.
ومن هنا تكتسب التجارب التعليمية الجديدة قيمتها في مسيرة تطوير التعليم المصري. فبناء المستقبل يرتبط بنوعية التعليم الذي نقدمه اليوم، وبقدرتنا على إعداد أجيال تعرف كيف تتعلم وتفكر وتبتكر وتوظف المعرفة لخدمة المجتمع. وتلك هي المساحة التي يمكن لجامعة كيان أن تشغلها في خريطة التعليم الجامعي، بوصفها تجربة تسعى إلى بناء الإنسان وتأهيله للمشاركة في صناعة مستقبل الوطن.
