recent
عـــــــاجــــل

الثمن.. بقلم: د. سعيد المنزلاوي

 

الثمن.. بقلم د. سعيد المنزلاوي

الثمن.. بقلم: د. سعيد المنزلاوي


 وقفَ أمام الحقيبة المفتوحة.

 أعددتِ له القمصان... ونسيتِ أن تُعِدّي قلبك للغياب.

 قلتِ وأنتِ تراقبينه يطوي آخر قميصٍ: 

 - أخشى أن يسبقنا العمر.

 فأجابك وهو يشيح بعينيه:

 - من أجلكِ أسافر.

 جادلته... ثم انكسرتِ أمام إصراره.

 ومنذ أن سافر تنامين والهاتف فوق صدرك.

 قبيل الفجر، أيقظكِ الوجع.

 قبضتِ على طرف الملاءة حتى ابيضت مفاصلك.

 تحسست يدُكِ في العتمة الهاتف الصامت، وكتبت بأصابع ترتجف: 

 - لا أعرف أيهما يهزمني: وجعي أم غيابك.

 مع أول خيط للفجر، جاءكِ صوتُه دافئًا.

 وفي نشوة المناجاة، أيقظكِ بقوله:

 - عذرًا حبيبتي، حان موعد العمل. 

 ثم قبلة في برودة زجاج الهاتف، انقطع بعدها الاتصال. 

 عاد الوخز أشد ضراوة، وعادت الوحدة أثقل وطأة. 

 في المرآة لمحتِ خصلة بيضاء. لامست جيدكِ، وتأملتِ معصمكِ، فما زال أثر السوار الذي اضطررتِ إلى بيعه واضحًا.

 انفلتتْ منك صرخة، كتمتِها بيديك. 

 في المساء، قال الطبيب كلمته: 

 - كل يوم تأخير يزيد احتمال الخطر.

 نظرت إليه مشدوهة، فأردف:

 - لابد من المسارعة في إجراء العملية.

 هاتفتِ زوجك، كان المبلغ أكبر من قدرته، ساد صمت ثقيل، ثم همس: 

 - لا تقلقي. الحل قريب. 

 مرت أيام ثقيلة، اتصلتِ به أكثر من عشرين مرة. وتسمعين: الهاتف مغلق.

 التهمت الظنون ما تبقى منكِ.

 في اليوم الرابع أضاءت الشاشة على إشعار تحويل بنكي، ورسالة صوتية واحدة قصيرة: 

 - أرسلت لك المال، سأعود قريبًا.

 أمسكتِ الهاتف بكلتا يديك؛ كأنه طوق نجاة.

 في المساء، اتصل بكِ، كان يتوقف كثيرًا أثناء الكلام. رفضَ مكالمة الفيديو. لكنه طمأنك بأنه ضغط العمل.

 لم يتجاوز الاتصال بضع دقائق؛ لكنك شعرت بنشوة غامرة.

  بعد أسبوع، دخلتِ حجرة العمليات، بينما كان زوجك في طائرة العودة، يتأرجح بين الشوق والخوف.

 عندما أفقتِ، كان بجانبكِ، يربتُ بحنان على يديكِ، تشابكت أناملكما. انسابت يده تلقائيًا إلى أسفل بطنه.

   سألتِهِ في قلق:

 - هل يؤلمكَ شيء؟

 ابتسم، ولم ينطق. 

 ألححت عليه. تهرب من عينيكِ. فأزحتِ طرف ثوبه.. كان جُرح حديث، أسفل بطنه، يحاول إخفاءه.

 مددت يدك المرتجفة إلى الجُرح، وبكيت في صمت.

 لم يسرق الزمنُ منكما العمر وحده... بل اقتطع من كلٍّ منكما ثمنًا.

 أمسك يدكِ، ضمها إلى صدره، وقال:

- نقص مني شيء... ولم ينقص حبي لك.


google-playkhamsatmostaqltradent