الدكتور خالد عمران يكتب: حديث الوطن.. حين تفقد الكلمات رحمتها يبدأ وجع الإنسان
بقلم: أ. د خالد عبد اللطيف عمران
نائب رئيس جامعة سوهاج
أستاذ المناهج وطرق التدريس
حدثنا شيخنا اليوم في خطبة الجمعة عن التنمر، لكنني لم أشعر، وأنا أستمع إليه، أن الحديث كان عن ظاهرة اجتماعية اعتدنا أن نقرأ عنها في الدراسات أو نسمعها في وسائل الإعلام، بقدر ما كان حديثًا عن الإنسان نفسه؛ عن قلبٍ قد تجرحه كلمة أكثر مما تجرحه السنون، وعن نفسٍ قد تنكسر في لحظة ثم تقضي سنوات طويلة تحاول أن تخفي شروخها. وحين انفضَّ الجمع، وغادر كلٌّ إلى وجهته، بقيتُ أسير سؤالٍ لم يفارقني طوال الطريق: متى فقدت الكلمات رحمتها؟ ومتى أصبح من السهل أن نجرح إنسانًا ثم نمضي، وكأن شيئًا لم يكن؟ وبينما كنت أفتش في ذاكرتي، اكتشفت أن أكثر الكلمات حضورًا في حياة الناس ليست دائمًا أجملها، بل قد تكون أقساها؛ لأن بعض الكلمات لا تنتهي حين تُقال، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية في قلب من سمعها.
ولعل هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون. فالكلمة، على صغرها، قد تكون أخفَّ ما يخرج من أفواهنا، لكنها أثقل ما يستقر في قلوب الآخرين. وربما ننسى نحن ما قلناه بعد دقائق، بينما يظل غيرنا يحمل أثره سنوات طويلة. كم من إنسان فقد ثقته بنفسه بسبب عبارة ساخرة قيلت في طفولته، وكم من شابٍ انكمش عن حلمه لأن أحدهم استهان بقدراته، وكم من فتاةٍ ظلت تنظر إلى نفسها بعينٍ قاسية لأن كلمةً عابرة أقنعتها بأنها أقل جمالًا أو أقل قيمة. إن الجراح التي تصنعها الكلمات لا تنزف دمًا، ولذلك يظن الناس أنها لا تؤلم، بينما هي في الحقيقة قد تترك في النفس من الندوب ما لا تتركه أشد الجراح قسوة.
وليس التنمر في جوهره مجرد سلوكٍ مرفوض، بل هو صورة من صور اختلال علاقتنا بالإنسان. إنه اللحظة التي تتراجع فيها الرحمة، ويغيب فيها احترام الكرامة، ويحل محلها الاستعلاء أو السخرية أو الرغبة في إيلام الآخر. ولهذا فإن المتنمر لا يؤذي ضحيته وحدها، بل يؤذي نفسه أيضًا؛ لأنه يعتاد أن يرى الناس من خلال عيوبهم، وأن يجعل من الإهانة وسيلة للضحك، ومن كسر الخواطر طريقًا إلى لفت الأنظار. وهكذا يصنع التنمر ضحيتين معًا: إنسانًا انكسرت نفسه، وآخر تبلّد إحساسه، وفقد شيئًا من إنسانيته دون أن يشعر.
وقد سبق القرآن الكريم كل النظريات الحديثة حين وضع أساس العلاقة بين الناس، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. إنها ليست دعوة إلى حسن الخلق فحسب، بل إعادة بناء لمقياس التفاضل بين البشر. فالإنسان لا يُقاس بمظهره، ولا بماله، ولا بمكانته، وإنما بما يحمله من تقوى، وما يقدمه من خير. ثم جاءت السنة النبوية لتجعل الكلمة الطيبة صدقة، ولتجعل المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وكأن الإسلام أراد أن يبدأ بإصلاح اللسان، لأنه يدرك أن كثيرًا من الخصومات الكبيرة تبدأ بكلمة صغيرة.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن التنمر لم يعد حبيس فناء مدرسة أو ملعب صغير، بل تمدد حتى أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. نراه أحيانًا في بعض البيوت حين تُوجَّه الكلمات الجارحة إلى الأبناء باسم التربية، ونراه في أماكن العمل حين يُختزل الإنسان في خطأ واحد، ونراه في بعض وسائل الإعلام حين تتحول السخرية إلى لون من ألوان الترفيه، ثم نراه في أشد صوره قسوة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تستطيع كلمة جارحة أن تعبر العالم في ثوانٍ، وأن يشارك في إطلاقها آلاف الأشخاص، بينما يقف صاحبها وحيدًا يواجه سيلًا من التعليقات التي لا تعرف شيئًا عن مشاعره ولا عن ظروفه.
لقد منحت التكنولوجيا الكلمة سرعةً لم تعرفها من قبل، لكنها لم تمنحها حكمةً أكبر. أصبح الضغط على زر الإرسال أسهل بكثير من مراجعة الضمير، وصار التعليق الجارح ينتشر في دقائق، بينما قد يحتاج الاعتذار سنوات حتى يصل إلى القلب الذي أوجعه. ولعل أعظم ما ينقص عالمنا اليوم ليس سرعة الاتصال، وإنما التمهل قبل الكلمة، والتفكير قبل التعليق، واستحضار الإنسان قبل البحث عن الإعجاب أو الضحك أو الشهرة. فالمشكلة ليست في الوسائل، وإنما في الضمير الذي يستخدمها؛ لأن التقنية لا تصنع القسوة، لكنها قد تضاعف أثرها إذا غابت الرحمة.
ومن هنا فإن أخطر ما يفعله التنمر أنه لا يسرق من الإنسان ابتسامته فقط، بل قد يسرق منه ثقته بنفسه، وشجاعته، وإقباله على الحياة. وربما خسر المجتمع بسبب كلمة ساخرة طبيبًا كان يحلم أن يداوي المرضى، أو معلمًا كان يستطيع أن يصنع أجيالًا، أو باحثًا، أو مبدعًا، أو قائدًا، لأن أحدًا أقنعه في لحظة ضعف بأنه لا يستحق المحاولة. وما أكثر المواهب التي ماتت قبل أن تولد، لا لأنها كانت ضعيفة، ولكن لأن الكلمات التي أحاطت بها كانت أقسى من أن تسمح لها بالنمو.
ولذلك فإن مواجهة التنمر لا تبدأ بالعقوبات وحدها، على أهميتها، وإنما تبدأ بإعادة الرحمة إلى لغتنا. تبدأ من الأسرة التي تعلم أبناءها أن احترام الناس عبادة، ومن المدرسة التي تجعل قبول الاختلاف قيمة تربوية، ومن المسجد الذي يذكر بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، ومن الإعلام الذي يجعل الاحترام ثقافة لا استثناء، ومن كل واحد منا حين يقف لحظة قبل أن يتكلم، ويسأل نفسه: هل ستكون كلمتي سببًا في جبر خاطر، أم في كسر قلب؟ وهل سأترك في نفس هذا الإنسان أثرًا يرفعها، أم جرحًا يلازمه طويلًا؟
إن الأوطان لا تُبنى بالمشروعات الكبرى وحدها، مهما عظمت، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان. والإنسان لا يبدع في بيئة يخاف فيها من السخرية، ولا ينطلق في مجتمع يترقب فيه الإهانة كلما أخطأ، ولا يشعر بالانتماء إذا كانت كرامته مستباحة. ومن هنا فإن حماية الإنسان من الكلمة الجارحة ليست قضية أخلاقية فحسب، بل هي قضية وطنية أيضًا؛ لأن المجتمع الذي يحفظ كرامة أفراده هو الأقدر على إطلاق طاقاتهم، وصناعة مستقبلهم، وبناء وطنهم.
ولعل أجمل ما خرجت به من خطبة الجمعة اليوم أن شيخنا لم يكن يدعونا إلى مقاومة التنمر فحسب، بل كان يدعونا – من حيث لا نشعر – إلى أن نعيد الرحمة إلى كلماتنا. فاللسان الذي يعتاد الكلمة الطيبة لا يصنع أفرادًا أكثر سعادة فقط، بل يصنع مجتمعًا أكثر أمنًا، وأكثر تماسكًا، وأكثر إنسانية. وما أحوجنا، في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتكثر فيه الأحكام وتضيق فيه مساحات الصبر، إلى أن نتذكر أن الكلمة قد تكون بابًا إلى قلب إنسان، وقد تكون بابًا إلى ألمه.
ولذلك، فلنحرس كلماتنا كما نحرس أبناءنا، ولنتذكر دائمًا أن الله لم يجعل الكلمة أمانة لأنها تُسمع، بل لأنها تبقى. تبقى في القلوب، وتبقى في الذاكرة، وتبقى في صحائف الأعمال. وقد لا نتذكر غدًا كل ما قلناه اليوم، لكن هناك من سيعيش عمرًا كاملًا بكلمة خرجت منا، إما أن تكون نورًا أضاء له الطريق، وإما أن تكون جرحًا رافقه حتى آخر العمر.
فما أحوج أوطاننا اليوم إلى كلماتٍ ترفع الإنسان، قبل أن نبحث عن كلماتٍ تنتصر عليه؛ فالكلمة الطيبة لا تغيّر مزاج إنسان فحسب، بل قد تغيّر حياته، وإذا صلحت كلماتنا… صلحت بها قلوبنا، وإذا صلحت القلوب، صلح بها الوطن كله.
