قراءة نقدية في مجموعة حِضن فائت للدكتور سعيد المنزلاوي
كتب الدكتور أحمد مصطفى
في ليلة من ليالي السرد الأدبي، كان الاحتفاء بمجموعة قصصية للدكتور سعيد محمد المنزلاوي مناسبة للوقوف أمام تجربة أدبية تستند إلى وعي نقدي عميق، وتتحرك بين الواقع والذاكرة، وتستدعي الإنسان بما يحمله من وجع وفقد وحلم وانكسار.
فالقصة ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما مرآة للإنسان وعصره، تكشف ما تخفيه النفوس من آلام وتطلعات، وتعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية في بناء فني يمنحها دلالات أوسع. ومن هذا المنطلق تأتي مجموعة حِضن فائت بوصفها تجربة لكاتب جمع بين الإبداع الأدبي والعمل الصحفي والنقد الأكاديمي، وامتلك أدوات سردية خاصة جعلت نصوصه مختلفة عن المألوف.
وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، عرفت الدكتور سعيد المنزلاوي عن قرب، فوجدته ثابتًا على ما عُرف به من طيب السيرة ونقاء السريرة، أمينًا في نصحه، مخلصًا في عمله، محبًا للخير، ودالًا عليه. وهو إلى جانب ذلك ناقد وأديب وكاتب بارع، تخرج في كلية اللغة العربية بإيتاي البارود، وواصل دراساته العليا بشغف الباحث ودأب المشتغل بالعلم، حتى نال درجة الدكتوراه في الأدب، متسلحًا بالمعرفة والخبرة والصبر.
ولا يخلو طريق المبدع من حزن، وكان لفقده عددًا من رفاق الرحلة العلمية والتعليمية، وفي مقدمتهم الراحل زكي أحمد زكي، أثر واضح في تكوين حسه الإنساني، وفي ذلك الجانب الحزين الذي يتسلل إلى كثير من نصوصه.
ملامح الأسلوب
تتميز المجموعة بلغة رصينة، تكاد تخلو من الأخطاء النحوية والأسلوبية، إلى جانب عناية واضحة بالتركيب وبناء الجملة، بما يكشف عن تمكن الكاتب من أدواته اللغوية وحرصه على سلامة التعبير.
ويبرع المنزلاوي في الانتقال بين الأحداث بسلاسة، فلا يكاد القارئ يفرغ من مشهد حتى يجد نفسه أمام مشهد جديد، دون أن يشعر بانقطاع في خيط السرد. كما يلفت النظر تمكنه من الوصف، وقدرته على صياغة تفاصيل تجعل القارئ قريبًا من الشخصيات، متعاطفًا معها أحيانًا، أو رافضًا لسلوكها في أحيان أخرى.
ومن عناصر قوة المجموعة أيضًا حسن بناء البدايات والنهايات، إذ لا يندفع الكاتب إلى الحدث مباشرة، وإنما يمهد له بما يجذب القارئ ويفتح أمامه أبواب التوقع، ثم يتركه في نهاية النص أمام مساحة للتأمل.
كما أن اختيار العناوين وترتيب القصص يكشفان عن وعي نقدي واضح، فالدكتور سعيد المنزلاوي ليس مجرد سارد، وإنما ناقد أكاديمي متخصص في الأدب والسرد، ولذلك تتفاعل العناوين مع النصوص وتتشابك معها، لتصبح المجموعة في مجملها بناءً نصيًا متماسكًا تتكامل فيه الوظيفة الجمالية مع الدلالة.
الغلاف بوابة أولى للنص
لا يبدو الغلاف في هذه المجموعة مجرد إطار يحفظ صفحات الكتاب، وإنما يتحول إلى عتبة نصية تحمل إشارات دلالية تمهد للقارئ ما ينتظره داخل المجموعة.
فاصفرار الشمس عند الغروب يستدعي معنى الرحيل والفراق، ويعيد إلى الذاكرة قول أبي العباس الضبي عن مرارة الفراق وتشبيه الشمس عند غروبها بمن تكتوي بألمه.
أما الجدران المتصدعة، فتبدو انعكاسًا لشروخ نفسية واجتماعية تسكن عالم الشخصيات، بينما تأتي الشجرة المتساقطة الأوراق كرمز للخريف والتغير وانتهاء بعض الأشياء التي لا يمكن إعادتها إلى ما كانت عليه.
وفي الغلاف أيضًا تظهر امرأة شاحبة وحيدة، صامتة ومضطربة، تواجه الشمس وكأنها تواجه الحياة نفسها، بينما يحيط بها كرسي خشبي وعشب جاف وأرض تحمل آثارًا من القسوة واليباس. وهي صورة تنسجم بوضوح مع الأجواء النفسية التي تتحرك فيها معظم نصوص المجموعة.
حِضن فائت.. عنوان يحمل دلالته
يحمل عنوان المجموعة شحنة دلالية واضحة. فالحِضن، بكسر الحاء، يدل على الناحية والجانب، كما يدل على موضع الصدر ومكان الاحتواء والأمان، بينما تشير كلمة فائت إلى ما مضى وانقضى وذهب وقته.
ومن اجتماع الكلمتين يتشكل معنى بالغ الكثافة: أمان كان ممكنًا ثم مضى، وقرب لم يعد متاحًا، ودفء صار ذكرى، وحاجة إنسانية ظلت معلقة بين الحضور والغياب.
ويعزز الإهداء هذا المعنى، إذ يهدي الكاتب مجموعته إلى روح أسيرة بين جدران الزمن وفوضى المكان، وإلى من تحملوا المآسي والمحن بلا ذنب، لتصبح المجموعة منذ عتبتها الأولى مشدودة إلى ثيمة الفقد وما يتركه في النفس من ندوب.
وفي مقدمته، يضع الكاتب مجموعته ضمن سلسلة ملحمة الفراق، مستعيدًا صورة أسرة ألقت بها رياح عاتية في بحر الحياة، حتى غاصت سفينتها في الظلمات، بينما بقيت القصص محفورة على جدران تلك السفينة، يرويها الموج للشاطئ، ثم تعود فتنزوي مع الأعاصير وتنزف في صمت.
عالم قصصي ينهض على الفقد
تتحرك نصوص المجموعة في مساحة واسعة من العلاقات الإنسانية، لكنها تلتقي في جوهرها عند الفراق واليأس والطلاق والانكسار والشقاق والصدع والدهشة والضعف. وتبدو هذه المفردات وكأنها مفاتيح لعالم واحد، تتعدد فيه الحكايات بينما تتوحد الروح العامة.
وتتوزع النصوص بين معطيات داخلية تتصل برؤية الكاتب ومقاصده، ومعطيات خارجية تستمد مادتها من المجتمع وعلاقاته وتحولاته. ولذلك لا تبدو القصص مجرد أفكار منفصلة، بل جسورًا يعبر من خلالها الكاتب إلى عوالم اجتماعية ونفسية أكثر اتساعًا.
وتحمل كل قصة هوية خاصة، وتبني عالمًا محتملًا، وتمنح القارئ إشارات أولية تساعده على الدخول إلى عالمها. ويميل الكاتب في مواضع كثيرة إلى الاختزال، بحيث يترك للمتلقي مساحة للمشاركة في إنتاج الدلالة واستكمال ما لم يقله النص صراحة.
وهنا تظهر العلاقة التفاعلية بين الكاتب والقارئ، فالمجموعة تكشف من جهة ما يريد المبدع قوله، وتترك من جهة أخرى للمتلقي مهمة إعادة اكتشاف النص وتأويله وفق خبرته ووعيه.
الحوار والوصف في بناء الحكاية
استخدم المنزلاوي الحوار في عدد من نصوصه، وهو عنصر مهم في السرد، يمنح الشخصيات فرصة للتعبير عن دواخلها ويتيح للكاتب تمرير كثير من المعاني بطريقة غير مباشرة. ومع ذلك، فإن القصة القصيرة تظل أكثر احتياجًا إلى الاقتصاد في الحوار حتى يحتفظ السرد بكثافته.
ويغلب على أسلوب الكاتب استخدام الجملة الفعلية، ولا سيما الجمل التي تبدأ بالفعل الماضي، وهو اختيار ينسجم مع طبيعة المجموعة القائمة في جانب كبير منها على استدعاء الذاكرة واستعادة أحداث مضت.
كما أن الوصف يحتل مساحة بارزة في تجربته، فيستحضر المكان والزمان والشخصيات بتفاصيل تمنح الحكايات ملمسًا إنسانيًا واضحًا، حتى يشعر القارئ أحيانًا بأنه يعرف تلك الشخصيات أو سبق له أن التقى نماذج تشبهها في حياته.
اثنتا عشرة قصة في فضاء واحد
تضم المجموعة اثنتي عشرة قصة، تتداخل فيها الذكريات مع المكان والزمان، وتنهض الشخصيات على خلفيات من التجارب الإنسانية المؤلمة.
وتأتي قصة حِضن فائت في مقدمة المجموعة، وهي التي تحمل عنوان الكتاب. وتدور حول عدد من الشخصيات تتشابك في نسيج واحد، بينما تتصدر المدرسة فضاء الحكاية من خلال شخصية الأستاذ شكري، الذي يصبح محور الأحداث ووجهها الأكثر حضورًا.
وتكشف القصة عن الحرمان، خصوصًا حرمان الأب من ابنه، وما تتركه قسوة العلاقات الزوجية من آثار نفسية عميقة. ويستعيد الكاتب عبرها ذكريات مؤلمة لم تنته بانتهاء أحداثها، وإنما بقيت حاضرة في النفس في صورة مرارة وحسرة.
أما قصة العاقية، فيبدو عنوانها مراوغًا، يفتح الباب أمام حكاية أخرى عن تقلبات الأسرة وعنف العلاقات، وتبرز فيها شخصية الزوجة بصورة قوية، بينما تتقلب حياة سمر كما تتقلب الأمواج، بعد أن كانت تسير في مسار أكثر استقرارًا.
وفي قصة الصدع، يضع الكاتب القارئ أمام أسرة مفككة، تتنازعها المشكلات والمشاجرات، وتكشف تفاصيلها عن هشاشة الروابط حين تفقد قدرتها على الاحتواء.
ورغم قتامة كثير من المشاهد، فإن الكاتب لا يغلق أبواب النص أمام الأمل، فالأسماء والمعاني في بعض المواضع تتحول إلى نغمات إنسانية، والحب يظهر بوصفه طاقة قادرة على مقاومة البؤس والهجر والشقاء، لتستعيد الإنسانية بعضًا من صورتها النقية.
المرأة في عالم المنزلاوي
يستوقف القارئ حضور المرأة في المجموعة، إذ تظهر في عدد من النصوص بشخصيات قوية ومتمردة ومتعالية أحيانًا، وقد تبدو قاسية أو مراوغة، وهو حضور يستحق قراءة خاصة، لأنه يكشف عن زاوية مهمة من رؤية الكاتب للعلاقات الإنسانية.
وربما يكون هذا الحضور القوي للمرأة مدخلًا إلى قراءة أخرى لعالم المنزلاوي، تتجاوز الحكم على الشخصيات إلى البحث في الظروف النفسية والاجتماعية التي صنعتها، وما إذا كانت القسوة التي تظهر بها ليست إلا قناعًا تخفي خلفه انكسارات أعمق.
في النهاية، تبدو حِضن فائت أكثر من مجرد مجموعة قصصية؛ إنها استعادة لوجع قديم، وقراءة في العلاقات الإنسانية حين تصطدم بالغياب والخذلان والفراق. وقد نجح الدكتور سعيد المنزلاوي في أن يجعل من الذاكرة مادة للسرد، ومن الألم مساحة للتأمل، ومن الشخصيات مرايا يرى القارئ فيها شيئًا من نفسه أو من الآخرين.
ومع انتهاء السرد لا تنتهي الكتابة، لأن النص الجيد يترك وراءه أسئلة لا تغلقها الصفحة الأخيرة، ويظل صداه ممتدًا في ذاكرة القارئ.
موفقًا ومسددًا، ومعانًا فيما هو قادم، للدكتور سعيد المنزلاوي، ذلك الصديق العزيز الذي يكتب من قلب التجربة، ويترك في كل حكاية شيئًا من الإنسان.

