تآزر اللوحات في قصة "انتحار"، بين السبب والنتيجة للكاتبة ياسمين حسن
بقلم د. سعيد محمد المنزلاوي
جعلت القاصة ياسمين حسن عنوان قصة «انتحار» ليكون مدخلًا مباشرًا يبدو للوهلة الأولى كاشفًا للنهاية، فالانتحار هو الإنهاء العمدي للحياة. ولكن بعد قراءة النص، نجد أن الانتحار لم يكن حدثًا لحظيًّا في الختام، بل ينشب مخالب تنشب في جسد السرد عبر خمس لوحات تتآزر فيها الأسباب لتفضي إلى النتيجة المحتومة:
• اللوحة الأولى (سمات الشخصية): لوحةٌ تمهيدية تصف بها الفتاة بأبعادها النفسية والاجتماعية؛ فهي فتاةٌ وديعة، هادئة، ذكية، تمتلك عقلًا واعيًا وأحلامًا كثيرة، ولكنها وضعت في المكان الخطأ.
• اللوحة الثانية (وسائل الضغط): التي تتعرض لها الفتاة داخل المنزل، كحرمانها من الدرس كزميلاتها، والتعامل معها كخادمة؛ فتقوم أخواتها باستغلال طيبتها؛ لأنها معطاءةٌ وصامتة. وتضغط عليها والدتها كثيرًا؛ لأنها عاقلة.
• اللوحة الثالثة (التحول المصيري): حيث خُطبت قبل أن تتم السادسة عشرة، وكان البون شاسعًا بين صفات الشاب، والتي تتناقض تمامًا مع طموحاتها وشخصيتها الناضجة. غير أن المصالح بين العائلتين كان لها اليد الطولى ما جعلها تهبط إلى أن تكون سلعة، أو صفقة تجارية، لا سيما وأن عائلتها مدينة لعائلة الخاطب. ولكن الهوة كانت بينهما كبيرة؛ فهي طفلةٌ ساذجة، وهو خبير بعالم النساء، هي عفيفةٌ طاهرة، وهو على علاقةٍ بجارته المتزوجة، ولأنها عاقلةٌ وساذجة، صدقته عندما أقسم لها أنه تاب ولن يعود، وصار هو عالمها تزاحمها فيه أعمال المنزل، حتى أهملت دروسها ولم تحقق في الثانوية ما كانت تطمح إليه من كليات القمة.
• اللوحة الرابعة (المواجهة والافتراء): عندما اكتشفت على هاتفه خيانته، واجهته ورجته أن يفض الخطبة ولن تخبر أحدًا، لكنه كان من الخسة أن خرج لأهلها ليختلق قصةً اتهمها هي بما هو فيه، ما أوغر صدور أهلها ضدها، ثم وضعهم بين أمرين أمرَّيْن: إما أن يعجلوا بالزواج شريطة أن تترك الجامعة وإما أن يفضح أمرها، إن أصرت على فسخ الخطبة. ويمكن أن يُقرأ سلوكه بوصفه محاولة لإخماد تفوقها، فأراد أن يسلبها حلمها كما سلبها سمعتها زورًا وبهتانًا، ولأن أهلها مدينون لأهله، رضخوا للأمر؛ وهنا تحضر الإحالة القرآنية البليغة إلى براءة يوسف عليه السلام من دم الذئب، حيث أُدِينت البريئة وسُلب حلمها زورًا وبهتانًا.
• اللوحة الخامسة (النهاية): يوم الزفاف، كان الصعود إلى السطح هو الخيار الأخير؛ فبدلًا من أن تزف إلى عريسها الخائن، اختارت أن تزف إلى الموت، ملقيةً بنفسها من الطابق الرابع.
وهي بذلك تضع أيدينا على حقيقة مفادها أن الكبت والصمت يسببان العزلة والشعور بالوحدة، ولو مع الآخرين، بجانب الحصار الاجتماعي والمادي (ديون العائلة، تواطؤ الخطيب، الخداع، والاتهام بالشرف) الذي ينزع من طفلة في هذا السن أي قدرة على المواجهة، ما أدى إلى الشعور بالظلم والخذلان معًا. وهي إحدى دوافع الانتحار.
الجماليات والبناء النصي:
لغة السرد: اعتمدت القاصة ضمير الغائب عبر "سارد عليم"، والذي يحيط بملابسات الواقعة علمًا، وجاء طغيان الأفعال الماضية، ليضفي هالة من الواقعية المأساوية، وكأن الحدث واقعةٌ جرت بالفعل وتستدعي مرارة الفقد والندم.
الزمان والمكان: قُدِّر الزمن بثلاث سنوات، وهي مدة كافية لتآكل الحلم، ووأد الأمل. أما المكان، فلم يتجاوز عتبة البيت، بين (الشرفة والسطح)؛ ما يبرز الحصار المكاني والنفسي للشخصية.
البناء المفارقي: ينبني النص على ثنائيات ضدية حادة:
التناقض بين سمات الشخصية وبين معاملة الآخرين لها، حتى "كانت أعباء المنزل تتسلل إليها واحدةً بعد الأخرى، بينما تذهب إحدى أخواتها لتلهو مع صديقاتها، وتقضي الأخرى أغلب وقتها أمام المرآة". وكذلك المفارقة بين طموحها وامتهانها في أعمال المنزل، عندما "كانت تقف عند الشرفة، وقد التصق شعرها بجبينها من شدة العرق، وبين يديها ثوب تعصره للمرة الأخيرة قبل أن تنشره. رفعت عينيها قليلا. في آخر الشارع كانت زميلاتها يسرن في جماعات، تحمل كل واحدة منهن كتبها وتتجه إلى الدرس. ظل بصرها معلقًا بهن لحظات، حتى سمعت صوت أمها من الداخل: "أسرعي يا ابنتي، سيعود أبوك بعد قليل". خفضت عينيها إلى الثوب، وعادت تعصره"، وهي إشارة ذكية من القاصة أن الشخصية تدور في دائرة مفرغة، وأن حياتها مجموعة من الأفعال المكررة دون جدوى. وتأتي المفارقة الأكبر بينها وبين خطيبها، في "الهاتف"، والذي كان أداة تستنزف وقتها، وانتهي بوصفه أداة تكشف الخيانة.
البناء الدرامي: إن النص يُظهر عجز الشخصية عن المقاومة وتراكم الاستسلام، أو أن لديها نزوعًا إلى الصمت والاستسلام، بدا ذلك في الضغط الذي تعرضت له، والذي بدأت مع السطور الأولى للقصة، بحرمانها من الدروس وتحميلها أعياء المنزل، "وبدأت أحلامها تبتعد عنها رويدا رويدا، وبدأت ملامحها تخفت دون أن ينتبه أحد"، ثم الخطبة المبكرة، والتي استمرت ثلاث سنوات تعلقت خلالها بالخطيب، إلى أن اكتشفت خيانته، فحاولت الانفصال، لكن "الانفصال يبدو كأنه أمر لا تملك وحدها اتخاذه"، فأسرع هو ولفق لها التهمة، والتي أفقدتها ثقة الأسرة، وعجزت عن إثبات براءتها، " أنا مظلومة ... والله إنني مظلومة. لكن أحدًا لم يصدقها".
بل فرضوا عليها الزواج، "تحكموا في مصيرها وهي صامتة"، حتى بدأت العزلة تضرب أولى أوتادها. وخاصة بعد أن حال خطيبها بينها وبين حلم الجامعة: "الجامعة ليست ضرورية، والأفضل أن نعقد القرآن سريعًا. رفعت عينيها إليه، ولم تجبه. لكنه بدأ يقنع أهلها بالأمر نفسه، حتى صار الزواج في نظر الجميع هو الحل الطبيعي، وبقيت الجامعة حلمًا مؤجلا لا يبدو أن أحدًا يريد له أن يتحقق".
وهنا تضع القاصة يدها على نقطة رئيسة في علاقة الشخصية مع المحيطين بها، "صار كل جميل فعلته من أجلهم صغيرًا أمام تهمة لم ترتكبها، وصارت سنوات صمتها وطاعتها كأنها لم تكن". وحين أيست من نصرتهم، "صعدت إلى السطح وحدها" "كانوا في الأسفل يحتفلون بزواجها، أما هي فكانت في الأعلى تبحث عن مخرج"، "ثم انطلقت الزغاريد"، والتي جعلت منها معادلًا موضوعيًّا، لثنائية الفرح والحزن، حيث "ازدادت الزغاريد، وارتفعت أصوات الحديث من أسفل"، ويعد صعودها إلى السطح انتقالًا رمزيًا من فضاء الاحتفال القسري في الأسفل إلى فضاء العزلة في الأعلى، وقد يلمح هذا الارتفاع أيضًا إلى مفارقة بين التطلع إلى الخلاص والسقوط إلى الموت؛ "ظل صوت الزغاريد يصعد إليها، وهي جالسة في الظلام، وحدها. ثم نهضت، واتجهت إلى حافة السطح، وألقت بنفسها من الطابق الرابع. انقطعت الزغاريد فجأة. وتعالت الصرخات". وثمة مفارقة صوتية بين الزعاريد والصرخات، تنقل حركة الحدث من الفرح إلى الحزن "سقط كل شيء في لحظة واحدة؛ الفرح، والخطبة، والصفقة، والكذبة التي صدقها الجميع".
فالقصة تحمل بين لحمتها وسداها رسالة صارخة إلى الوالدين بمراعاة الحالة النفسية للأبناء، وعدم الضغط على البنات. وتهمس في أذن الوالدين: أن استمعوا إلى أولادكم، وأفسحوا لهم في صدوركم مكانًا. وهنا يكون للأدب رسالة في تغيير المفاهيم وإصلاح الواقع، وليس فقط الاكتفاء برصد السلبيات. لقد "غادرت هذا العالم وفي قلبها حقيقة لم يستمع إليها أحد". إنها إدانة المجتمع وأعرافه التي خنقت الفتاة حتى لم تترك لها مخرجًا سوى الانتحار. وتأتي جملة الختام "ففي السماء وحدها، كانت هناك جهة واحدة لم تحتج إلى دليل كي تصدقها"؛ لأنها تنقل القضية من مستوى الأسرة والمجتمع إلى مستوى العدالة الإلهية.
فالانتحار لم يكن عنوانًا كاشفًا للنهاية وفقط، ولكنه كان مهيمنًا على النص، فكان انتحارًا للأحلام قبل انتحار الجسد. عرض أقل
