ماذا تعرف عن الزبير بن العوام " الجزء الثامن "
إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثامن مع الصحابى الجليل الزبير بن العوام، وقد توقفنا مع السيدة عائشه رضى الله عنها عندما قالت فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت قول الحق سبحانه وتعالى " لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" وقالت ننهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره، فأتيا طلحة فقالا، ما أقدمك، قال الطلب بدم عثمان، قالا ألم تبايع عليا، قال بلى، واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان، ثم أتيا الزبير فقالا ما أقدمك، قال الطلب بدم عثمان، قالا ألم تبايع عليا، قال بلى، واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان.
ورأى عثمان بن حنيف أن يمنعهم من دخول البصرة حتى يأتي الإمام علي بن أبي طالب، فقام طلحة ثم الزبير يخطبان في أنصار المعسكرين، فأيدهما أصحاب الجمل، ورفضهما أصحاب عثمان بن حنيف، ثم قامت السيدة عائشة تخطب في المعسكرين، فثبت معها أصحاب الجمل، وانحازت إليها فرقة من أصحاب عثمان بن حنيف، وجاء حكيم بن جبلة العبدي، وكان من قتلة عثمان، وسب السيدة عائشة، وكان لا يمر برجل أو امرأة ينكر عليه أن يسب عائشة إلا قتله، فانتشب القتال، واقتتلوا قتالا شديدا، فقُتل عددا ممن شارك في قتل عثمان قدر بسبعين رجلا، واستطاع الزبير بن العوام وطلحة ومن معهما أن يسيطروا على البصرة، وتوجه الزبير إلى بيت المال، وأخلى سبيل عثمان بن حنيف، وقد وصل علي بن أبي طالب إلى ذي قار، وأرسل الرسل بينه وبين طلحة والزبير والسيدة عائشة، فأرسل القعقاع بن عمرو إليهم فقال للسيدة عائشة.
أي أماه، ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت أي بني، الإصلاح بين الناس، فسعى القعقاع بن عمرو بين الفريقين بالصلح، واتفقا على الصلح، ولما عاد القعقاع إلى علي وأخبره بما فعل، فارتحل علي حتي نزل بحياهم، ولما نوى الرحيل قال، وإني راحل غدا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم، فلما قال هذا اجتمع جماعة من قتلة عثمان بن عفان كـالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ، فقال الأشتر، قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلا اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنما اصطلح على دمائنا، وقال عبد الله بن سبأ، يا قوم إن عيركم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس، ولا تدعوهم يجتمعون، فأشعلوا القتال بين الطرفين، وقُتل طلحة بن عبيد الله بعد أن أصابه سهم، وانصرف الزبير عن القتال.
حيث التقى بعلي بن أبى طالب فقال له، يا زبير، أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول "إنك تقاتلني وأنت ظالم؟" قال نعم، لم أذكره إلا في موقفي هذا، فلما تذكر الزبير ذلك انصرف عن القتال، فلقيه ولده عبد الله فقال له "جبنا، جبنا" قال " قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفت ألا أقاتله، ثم قال، ترك الأمور التي أخشى عواقبها في الله أحسن في الدنيا وفي الدين، وقيل إنه أنشد قائلا، ولقد علمت لو أن علمي نافعي، أن الحياة من الممات قريب، فلما رجع الزبير متوجها إلى المدينة لحقه ابن جرموز بوادي السباع فقتله وهو يصلي، فلما جيء به مقتولا بكى علي بن أبي طالب وقال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فكان مقتله بِوادى السباع بالبصرة، فى السنه السادسه والثلاثين من الهجرة.
وكان ميراث الزبير بن العوام رضى الله عنه أرضين بالغابة، ودارا بالمدينة، ودارا بالبصرة ودارا بالكوفة، ودارا بمصر، وكان عليه دين كبير، وكان أكبر هم الزبير قبل وفاته هو سداد هذا الدين، وأوصى ابنه عبد الله بسداده، فقال له، يا بنى إنَه لا يقتل اليوم إلاَ ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلاَ سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، قال عبد الله، فجعل يوصيني بدينه ويقول يا بُنيَّ، إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي، قال فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت يا أبت من مولاك؟ قال الله، قال فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلاَ قلت يا مولى الزبير، اقضِ عنه دينه، فيقضيه، وأوصى بالثلث لبني عبد الله بن الزبير، وكان سبب تراكم هذا الدين أنه كان إذا أعطاه أحد الناس أمانة يستودعها عنده يجعلها الزبير دينا عليه خشية ضياعها، ويقول " لا ولكنه سلف، فإنى أخشى عليه الضيعة" وقد استطاع ابنه عبد الله سداد هذه الديون.
ولقد كان الزبير مقلا في رواية الحديث النبوي الشريف، ويرجع ذلك إلى أنه كان يخشى أن يخطأ في الرواية فيكون بذلك قد كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سأله ابنه عبد الله بن الزبير، فقال له ما لك لا تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحدث عنه فلان وفلان؟ فقال الزبير، ما فارقته منذ أسلمت، ولكن سمعت منه كلمة، سمعته صلى الله عليه وسلم، يقول " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث يسيرة، وحدث عنه بنوه عبد الله، ومصعب، وعروة، وجعفر، ومالك بن أوس بن الحدثان، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن عامر بن كريز، ومسلم بن جندب، وأبو حكيم مولاه، وأم عطاء وآخرون، وقد اتفق البخاري ومسلم له على حديثين، وانفرد له البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بحديث، وقيل أنه قد تزوج الزبير بن العوام من ثماني نساء، وهن أسماء بنت أبي بكر الصديق.
وقيل أنها هى أولى زوجاته، وقد تزوجها قبل الهجرة إلى المدينة، وولدت له خمسة أولاد هم عبد الله، وعروة، والمنذر، وعاصم، والمهاجر، وثلاث بنات هن خديجة الكبرى، أم الحسن، عائشة، وكان الزبير شديدا عليها فأتت أباها فشكت ذلك إليه فقال لها يا بنيّة اصبري فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح ثم مات عنها فلم تزوّج بعده جمع بينهما في الجنة، ثم إن الزبير طلقها فكانت عند ابنها عبد الله، وقد اختلفوا في سبب طلاقها، فقيل إن عبد الله قال لأبيه، مثلي لا توطأ أمه، فطلقها، وقيل كانت قد أسنت وولدت للزبير عبد الله وعروة، والمنذر، وقيل إن الزبير ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فأقبل إليها، فلما رآه أبوه قال أمك طالق إن دخلت، فقال عبد الله أتجعل أمي عرضة ليمينك؟ فدخل فخلصها منه، ومن زوجاته، أم خالد بنت خالد بن سعيد واسمها أمة، وهي ابنه الصحابي خالد بن سعيد بن العاص، وولدت له ولدين هما عمرو، وخالد، وثلاث بنات هن حبيبة، وسودة، وهند.

