الحب أيضًا يموت
بقلم مصطفي حسن محمد سليم
ربما يجعلنا الحب في بعض الأوقات نسجن أنفسنا داخل ذكريات الماضي، ونحن ننسج من اللحظات السعيدة التي مررنا بها عنوان المستقبل، ليظل الوفاء للمحب هو المحرك الرئيسي لمشاعرنا، ولكن لأن المشاعر البشرية دائماً متقلبة، فقد تعصف مشاعرنا بذلك الحب مع أول فرصة نسمح فيها لأنفسنا بأن تدق قلوبنا مرة أخري رغماً عنا، لندرك وقتها أن الحب أيضًا يمكن أن يموت.....
تساقطت حبات المطر علي زجاج السيارة فحجبت الرؤية بعض الشيء عن الطريق، غمغمت شيرين فوزي بكلمات تعبر عن سخطها سرعان ما تلاشت مع صوت أرتطام قطرات المطر علي زجاج السيارة، وشردت شيرين بذهنها بعيداً وهي تحدق في سقوط قطرات المطر علي زجاج السيارة ولم تفيق من شرودها إلا علي صوت صديقتها ماجدة التي كانت جالسة بجوارها، والتي كانت منهمكة في مطالعة أحدي المجلات العلمية، وعندما انتهت من قراءتها أختلست نظرة إلي شيرين فوجدتها تقود السيارة والشرود يبدو علي ملامحها، فمالت عليها وهي تلوح بكفها أمام وجهها قائلة ها أين ذهبتي؟ فأجبتها شيرين في ضيق أن الجو اليوم شديد البرودة، وذلك المطر لايتوقف عن الانهمار منذ صباح اليوم، فابتسمت ماجدة وهي تعتدل في مقعدها قائلة أنني لا أسالك عن آخر أخبار النشرة الجوية، لقد كنت تفكرين في شيء ما شغل كل تفكيرك حتي أنني حدثتك منذ قليل ولم تنتبهي لكلماتي، أطلقت شيرين ضحكة عالية وهي تقول لها أنني أفكر في نفسي وأنا جالسة مع هؤلاء المجانين وأتحدث معهم، فضحكت ماجدة حتي شعرت أن قلبها يكاد أن يقف من كثرة الضحك وهي تهتف قائلة أدفع نصف عمري وأراك في ذلك المشهد، عقدت شيرين حاجبيها وهي تقول في توتر لا بل أنا من سيدفع عمري كله أن عبرت هذه الأسوار التي تفصل بين عالم وعالم آخر ، عالم يحكمه العقل، وعالم يحكمه الفراغ، ولكني رغم خوفي هذا إلا أنني أشعر باحساس الرحال المغامر الذي يعرض نفسه للأخطار من أجل أن يكتشف شيء ما لم يصل إليه أحد من قبله، ربما أكون مخطئة بسبب خوفي هذا فكل خوفي مرتبط بالصورة التي كونتها عن هؤلاء المجانين من أحاديث الناس عنهم ومشاهدتهم في الأفلام والمسلسلات، وقد يكون في كل هذا مبالغة أكبر من اللازم، ولكني سأقاوم ذلك الشعور بالخوف من أن يتسلل بداخلي وسأطبق القاعدة الذهبية التي تقول (لاتصدق كل ما تسمعه) فربما يكون ذلك اللقاء قد يغير أشياء كثيرة في حياتي، فابتسمت ماجدة وهي تقول ربما يغير حياتك بالفعل ولكن لن تضيف لها الكثير فأنت بالفعل مجنونة، فتعالت ضحكاتهم سويا وإشارت شيرين بيدها إلي بوابة المستشفي وهي تقول لها ها قد وصلنا، كنت أتمني أن أصحبك معي حتي أجعلهم يحجزونك بالداخل لتنكشف الحقيقة التي تخبيئنها خلف تلك الملامح البريئة وأنني لست المجنونة الوحيدة، وضغطت علي كابح الفرامل وهي تقف بسيارتها أمام سور المستشفي، ومدت يدها لفتح باب السيارة ولكن أعادتها ثانية، فربتت ماجدة علي كتفها قائلة في حنان هل مازلتي تشعرين بالخوف، ألم يجد رئيس التحرير صحفي آخر يكلفه بهذا التحقيق غيرك، هتفت شيرين مستنكرة ماذا تقولين يا ماجدة أنني أحب عملي، وعملي هذا يحكم علي من يعمل فيه أن يمر بأقصي الظروف والصعاب من أجل أظهار الحقيقة، والحقيقة فقط وأجتياز كل ماهو مجهول من أجل تفسيره، أنني لا أشعر بالخوف ولكني كنت أفكر كيف سابدأ التحقيق، مطت ماجدة شفتيها في هدوء قائلة الحل بسيط كل ما عليك هو أن تقومي بفتح هذا الباب وتتقدمي في خطوات ثابته وبفدائية المقاتل نحو باب المستشفي وستكتشفي سر ذلك المجهول ولكن أرجو الا تتركي عقلك بالداخل، فمدت شيرين يدها وهي تفتح باب السيارة قائلة لاتشعري بالخوف من هذا فانني أحافظ علي عقلي جيدًا، والآن ساذهب فقد توقف المطر عن الانهمار ولكن لو تأخرت بالداخل فلا تقلقي، ومالبثت أن عبرت باب المستشفي وتقدمت نحو غرفة مدير المستشفي الذي أبتسم عندما رأها وهو يصافحها قائلا في هدوء لقد تأخرتي كثيراً حتي ظننت انك لن تحضري، إجابته في أسف أنت تعلم حالة الجو بالخارج وذلك كان السبب الرئيسي في تأخيري، فأشار لها المدير بالجلوس وهو يقول في أنفعال واضح عندما أتصلتي بي كنت سأرفض أن أسمح لك باتمام ذلك التحقيق، فقد حضر زملاء لك في المهنة من قبل هنا لعمل عدة تحقيقات صحفية ولكنهم للأسف تناولوا السلبيات التي في المستشفي بشكل مبالغ فيه، ولم يتناولوا الايجابيات في شيء، وقامو بتصوير كل العاملين داخل هذه الاسوار علي انهم وحوش قد نزع الله من قلوبهم الرحمة، في حين أننا نبذل أقصي جهد لنا لاعادة هؤلاء المرضي إلي سيرتهم الأولي، أننا نعرض أنفسنا للخطر هنا لحماية الآخرين، ولاتنسي كثرة عدد المرضي الذين يتطلبوا رعاية تفوق رعاية الإنسان العادي، ورغم ذلك لانجد أي كلمة تشيد بجهودنا قط، فأجابته شيرين في حماس لكل منا وجهة نظر، وربما تكون تلك السلبيات موجودة ولكنهم قد يكونو بالغوا في وصفها مما سبب لك الضيق هكذا، ولكن أطمئن ياسيدي فإن الموضوع الذي سأتناوله بعيد كل البعد عن السلبيات والايجابيات، فإن التحقيق الذي ساقوم به يدور عن أغرب الحالات التي في المستشفي، والسبب الرئيسي في أدخالهم المستشفي، أبتسم المدير مغمغما حسناً أرجو أن تلتزمي بالحقيقة فحتي لو تناولتي السلبيات أو الايجابيات فذلك لايهمنا في شيء في الوجود، فنحن نتقبل النقد ولكن النقد البناء فقط الذي يلتزم بالحقيقة، فليس هناك شيء في الوجود يتصف بالكمال، وبمناسبة حديثك عن أغرب الحالات سأجعلك تقابلين الآن أغرب حالة توجد عندنا في المستشفي، فهي لزميل لنا قد حدثت له صدمة عصبية أفقدته القدرة علي مواصلة حياته الطبيعية مرة أخري، ورغم كل المحاولات التي بذلاناها لاعادته إلي حياته وعمله ولكنه يرفض كل هذه المحاولات بكل الطرق، فقد استسلم لحالته وحتي الآن لاتوجد قوة فوق ظهر الأرض قادرة علي أن تخرجه منها، فمن السهل التعامل مع أي مريض وتطبيق معه وسائل العلاج التي تعلمناها بالأضافة إلي خبرتنا، ولكن من الصعب التعامل مع طبيب يعرف هذه الوسائل جيداً ولكننا رغم ذلك مازلنا نحاول معه، فتطلعت شيرين إلي وجهه وهي تقول في توتر واضح هل معني ذلك أن حالته خطيرة؟ فابتسم المدير قائلا لا ليس كما تظنين بل هو في كامل قواه العقلية، ولكنه يرفض بكل شدة الاندماج في عالمنا ويفضل العزلة عن ذلك، فقالت له هل من الضروري ان أقابله اليس من الافضل أن تقص لي انت حكايته، فقال لها المدير أنني أفضل أن تقابليه أنت فربما كان لك فضل في أخراجه من حالته هذه، فنحن لانجد أي وسيلة إلا ونحاول معه بها، وفي الطريق من غرفة مدير المستشفي إلي غرفته أخذت تفكر كيف ستبدأ الحديث معه، وسيطر عليها فكرة أن تلعب دور الطبيب النفسي وتحاول بذكائها ولباقتها في الحديث أن تخرج من ذلك الرجل بتحقيق كبير، أو أن تخرجه من حالته، وأفاقت من شرودها علي صوت المدير وهو يقول لها هذه غرفته وأعقب قوله ذلك بطرقات علي باب الغرفة ومالبثوا أن عبرو باب الغرفة وأقترب المدير من الدكتور نادر الذي كان ينظر من النافذة وهو يقول له صباح الخير يادكتور نادر، ولم يلتفت إليه الدكتور نادر واستطرد المدير هناك زائر سأتركك معه لأن علي أن أقوم بجولة لأطمئن علي سير العمل، ثم التفت إلي شيرين وهو يقول لها أرجو منك إلاتنسي كلماتي، فأومأت برأسها في حركة غير إرادية وهي تتسائل بداخلها اي كلمات يقصد، وأنتابها شعور بالخوف عندما تركها المدير مع نادر وانصرف ولكنها تغلبت عليه، وظل نادر يحدق في النافذة متجاهل وجودها في حين وقعت شيرين في حيرة وهي تفكر كيف تبدأ معه الحديث، واخرجت نفسها من هذه الحيرة وهي تجلس علي المقعد الذي أمامها وقد أخرجت بعض الأوراق من حقيبتها، والتفت نادر فوجدها تجلس علي المقعد الذي خلفه وفؤجي بها، وظل يحدق فيها بضع لحظات في دهشة ثم جلس علي المقعد الذي أمامها، واخذ ينظر إلي أرض الحجرة وكأنه يبحث عن شيء ما، ولكنه كان يحاول الهرب من ألتقاء نظراته بنظراتها، لقد أخذ علي نفسه عهد إلا يختلط ثانية ببني البشر وخاصة النساء، وظل يحدق في أرضية الغرفة كثيراً وهو يحاول أن يخرج من هذا المأزق، وهو يتسائل بداخله من هذه المرأة؟ أنه لايعرفها وماذا تفعل في حجرته لقد طلب من قبل من مدير المستشفي إلايسمح لاحد بزيارته، وأخرجه من حيرته هذه صوت شيرين وهي تقول له أن الجو اليوم شديد البرودة، لقد سمعت في النشرة الجوية ان حالة الجو هذه ستستمر يومان علي الأقل تصاحبها أمطار خفيفة، انت لاتعرفني بالطبع أنا شيرين فوزي صحفية بجريدة الغد المشرق أنا أسفة أنني أقتحمت غرفتك هكذا دون سابق معرفة، ولكني لن أضايقك كثيراً فإنني هنا لعمل تحقيق صحفي عن أغرب الحالات المرضية، ولقد أسترعي أنتباهي حديث المدير عنك، فدكتور الأمراض النفسية هو أخر إنسان يمكن أن يصاب بهذا المرض النفسي، ولكني لا أظنك مريض نفسي، فربما مررت بظروف نفسية صعبة دفعتك إلي العزلة، هل تعلم أنني في بداية حياتي المهنية واجهت صعاب كثيرة ولكني تغلبت عليها حتي أستطعت أن أضع قدمي علي الطريق الصحيح، وذلك ماجعلني أقف امام أي مشكلة وأواجها ولا أهرب منها، فالإنسان الذي يهرب من مشاكله دون أن يواجهها يقع في دائرة مغلقة لايستطيع الخروج منها، لأن المشاكل تتزايد حينذاك ولاتقل، وأخذت تواصل الحديث والدكتور نادر ينظر إلي أرض الحجرة حتي شعرت انه لاجدوي من الحديث معه، خاصة عندما تركها تتحدث ووقف واتجه إلي نافذة الحجرة مرة أخري، ثم وقف ينظر إلي الفراغ ثانية، فجمعت شيرين الأوراق التي وضعتها علي الطاولة، وتركت الغرفة وهي تشعر بهزيمة لم تنلها من إنسان في حياتها من قبل، وخاصة أن كل ماتعرفهم من الرجال يتمنون أن لو تحدث أي رجل منهم كلمة واحدة ، إذا لم يكن لشهرتها كصحفية، او لجمالها الأخاذ الذي يسبب لها المشاكل أينما ذهبت، وفي طريقها إلي غرفة المدير حاولت أن تطفئ نيران الغضب التي أخذت تشتعل بداخلها ولكن دون فائدة، وقررت أن تنتقم منه بأي وسيلة، وطرقت باب غرفة المدير ومالبثت أن عبرت الباب وجلست علي المقعد الذي يواجه المدير فقد كان يتحدث في الهاتف وعندما رأها أشار لها بيده أن تجلس، وما أن فرغ من مكالمته حتي قال لها أنا أعتذر عن أي ضيق قد سببه لك الدكتور نادر، فقالت له كيف عرفت ماحدث؟ فقال لها هل نسيتي أنني طبيب نفسي أستطيع ان أعرف كل مايجول بخاطرك دون أن تتحدثي معي، فهناك بعض البشر لايستطيعون أن يكبتوا مشاعرهم بداخلهم خاصة الغضب فيظهر ذلك علي ملامحهم، وأظنك من هذا النوع لأن كل خلجة من خلجات وجهك تعبر عن غضب شديد أقرب إلي الأنفجار، فابتسمت شيرين وهي تقول له أنا لا أنكر ذلك، وخاصة وأنني لم اتصور أن تكون هذه النتيجة هي ثمار مقابلتي له، فقد تركني أتحدث أكثر من نصف ساعة دون أن ينبس ببنت شافة أو حتي أي رد فعل، فقال لها المدير أنه شيء متوقع فالدكتور نادر منذ أن توفيت زوجته قرر أن يقاطع الحياة بكل معانيها، ولقد كان لقائك به مجرد محاولة مني كنت أرجو ان يكون لها رد فعل إيجابي آخر ولكنه أتي بنتيجة عكسية، عموماً لن يكون ذلك نهاية المطاف فإنني سأقص لك قصته كماحدثت معه ومع موضوعات شديدة الغرابة قابلتني في خلال عملي مع مرضاي وأتمني ان تنول أعجابك فابتسمت شيرين وهي تقول له ليس المهم أن تنول رضاي أنا بل المهم القراء، وأمسكت بالأوراق وأخذت تكتب حديث المدير عليها، وعندما أنتهت أنصرفت بعد أن شكرت المدير خاصة وأن هذه الموضوعات التي أخذتها منه رائعة أكثر مما كانت تتوقع، وفي طريقها لباب الخروج سيطرت علي عقلها صورة الدكتور نادر أنه ليس مريض ذلك ماتقوله عيناه خاصة نظرة الحزن التي تطل من عينيه تقول أنه فقد معني من معاني الحياة أو قيمة كبيرة يجب عليه أن يجد قيمة أكبر منها حتي تعود ثقته في نفسه إليه ثانية، توجهت إلي سيارتها وهي تفكر فيه وظلت صورته تحتل عقلها، وفتحت باب السيارة وجلست علي مقعد القيادة وهي مازالت تفكر فيه وصورته مازالت تجول بخاطرها، وأفاقت من شرودها علي صوت ماجدة وهي تهز كتفها في عنف قائلة ها قد عدت ثانية إلي حالة الشرود، يبدو أنك لم توفقي في عملك داخل المستشفى أو فقدت عقلك، وترددت هذه الكلمة بداخل عقلها كثيراً نعم لقد فقدت شيء ما داخل أسوار ذلك المكان، ولكن ليس عقلها بل قلبها، وأدارات محرك السيارة وتوجهت إلي مكتبها في الجريدة لتعد الموضوع وتسلمه إلي رئيس التحرير، وعندما سلمت الموضوع إلي رئيس التحرير شعرت بالراحة بعض الشيء لأنها أستطاعت أن تنتقم منه وتشوه صورته في التحقيق الذي قامت به، وعندما حاولت النوم لم تستطيع لقد شعرت بالندم أشد أنواع الندم لأن نزعة الانتقام سيطرت عليها فقد أظهرته بمظهر المريض النفسي الميئوس من شفائه وشوهت صورته، وعندما وصلت إلي هذا الحد صرخت في فزع قائلة ياإلهي أنني بهذا سأحطمه لو قرأ الموضوع، ماذا ستقول له هل هذه هي الثقة التي يجب أن يجدها في كل من يتعامل معه، لابد أن أفعل شيء حتي أوقف حدوث هذه الجريمة، وأمسكت بسماعة الهاتف وحدثت رئيس التحرير وسألته عن الموضوع فأجابها أن الموضوع قد تم طبعه وسينزل في عدد الغد، فشعرت بالمرارة لأنها أرتكبت خطأ كبيراً، وفي الصباح وهي تتناول أفطارها سيطر عليها الشعور بالندم حتي أنها لاتعرف كيف قادت سيارتها إلي المستشفي في ذلك اليوم، شيء ما في قلبها حاولت أن تكذبه ولكنه كان أكبر من أن تهمله، نظرات عينيه الحزينة ووجهه الذي لم تنساه حتي الآن، فكثيراً ما قابلت أشخاص لمرة واحدة وبعد أنتهاء المقابلة معهم تنساهم وتنسي ملامحهم رغم أنهم تركوا بصمة في شخصيتها، ولكن صورتهم تضيع من عقلها، ومالبث أن عبرت باب الردهة المؤدية إلي غرفة المدير ووقفت أمام باب الغرفة، حاولت أن تتراجع وأن تقطع صلتها بذلك العالم الذي وجدت نفسها تعيش فيه رغماً عنها، فقد أنتهي كل ما تنشده منه وحققت نصر صحفي آخر يضاف إلي أنتصارتها الصحفية، لقد أشاد جمبع زملائها الذين أتصلوا بها منذ صباح اليوم بجودة الموضوع فماذا تريد ثانية من هذا المكان، وحاولت أن تتراجع ولكن قدماها عجزت عن التراجع للخلف ولو خطوة واحدة، لقد تركت قلبها داخل أسوار هذا العالم وتأبًي أن تتركه خلفها، فأستجمعت شجاعتها وطرقت الباب عدة طرقات رقيقة وفي نفس الوقت الذي لامست أناملها باب الغرفة وجدت الباب يفتحه المدير في بطء ووجه المدير الهادئ يطالعها بأبتسامة مجاملة تنم عن سعادته من رؤويتها، ولكن سرعان ماتلاشت هذه الابتسامة عندما جلست في مكتبه، وهو يقول لقد رأيتك من نافذة حجرتي وأنت تعبرين باب المستشفي فأسرعت لاستقبالك، ولكني فوجئت بك تطرقين باب الغرفة، فابتسمت شيرين وهي تسأله أرجو أن يكون الموضوع نال أعجابك، هتف المدير في أمتنان بالغ أنه أكثر من رائع رغم أن هذا الكلام صدر مني وأعرفه جيداً، ولكن أسلوبك في صياغة التحقيق هو الذي يستحق الاشادة به، فلقد تم صياغة التحقيق بصورة توضح مدي مهارتك في عملك رغم أنني أخالفك الرأي في حكمك علي الدكتور نادر، تمنت في أعماقها أن لايكون نادر قد قرأ التحقيق، فأستطرد المدير في حزم لقد قرأ نادر الموضوع، لقد حاولت أن أمنع حدوث ذلك ولكن قراءة الجرائد روتين يومي بالنسبة له فقد تعود أن يقوم به دائماً، ومن الصعب علي الإنسان أن يتخلي عن شيء قد تعود عليه، ولكن رد فعله كان عنيف لقد مزق الجريدة وثار وطلب أن أحدد معك موعد لمقابلته إذا رأيتك ثانية أو أتصلتي بي، خفق قلب شيرين علي نحو لم تعهده من قبل لقد قرأ الموضوع لقد حدث الذي كانت تخشاه، لقد حاولت أن تمنع حدوث ذلك بكل الطرق ولكن هذا هو الذي حدث، أرتبكت وهي تقول له أنني نادمة أشد الندم علي ذلك لقد سيطرت عليا نزعة الانتقام وأنا أكتب الموضوع، وعندما تخلصت منها حاولت أن أمنع نشره ولكن كان الموضوع قد تم طبعه وسبق السيف العزل كما يقولون، فتراجع المدير في مقعده قائلا ربما يكون الصدمة التي أخذها الموضوع في نفسه نوع من توضيح حقيقة الحياة التي حددها لنفسه أن يعيش فيها للأبد، ولكن هل ستحققين طلبه بمقابلتك؟ زفرت في يأس ومرارة قائلة كنت أرجو ذلك ولكني أخشي رد فعله، كانت تريد أن تهتف من أعماقها وتقول له أن سبب حضورها من أجل هذا، وأنها تتمني أن تقابله ولو لمرة واحدة فقط وليفعل فيها مايريد، أبتسم المدير وهو يهتف في حماس لاتجعلي شعور الخوف هذا ينتابك ثانية، فلقد أكدت لك من قبل أن الدكتور نادر ليس مريض نفسي وإلا كان من السهل علينا أن نكتشف ذلك ونعالجه، ولكنه رجل فقد حبه للحياة فهانت عليه حياته، فنهضت قائلة حسنا سأقابله مهما كانت النتائج فإنني مخطئة ويجب ان أتحمل نتيجة خطئي مهما كانت، ومالبث أن دلفت من باب غرفة الدكتور نادر بخطوات ثابته، وكان نادر يقف أمام النافذة ينظر إلي حديقة المستشفي مثل أول لقاء لها به وباب الغرفة مفتوح، فتقدمت نحوه ووقفت خلفه ثم قالت في أرتباك دكتور نادر، فالتفت نادر إليها هو يستمع إليها وهي تقول له في خجل وهي تملأ عينيها بوسامته قبل أن تستطرد أنني أسفة عما بدر مني نحوك، فأبتسم نادر قائلا بل أنا الذي من حقه أن يعتذر لك لقد كنت مخطئ عندما تركتك تتحدثين دون أن أحاول أن أتحدث معك ولو بكلمة واحدة مما أعطاك أنطباع سئ عني، صاحت شيرين لقد تناولت قصتك كما رواها لي مدير المستشفي ولكن غضبي الذي سيطر علي نتيجة لمقابلتك كان سبب في تملك نزعة الانتقام مني عند كتابة التحقيق، ولم أترك لنفسي فرصة للرجوع في حكمي عليك فإنني لا أعرفك جيدًا حتي أصدر ذلك الحكم عليك، أبتسم نادر أبتسامة غامضة قائلا حسنا أنه من دواعي سروري أن نتقابل ثانية لأنني لم أستطيع الحديث معك في المرة الماضية فإنني من أشد المعجبين بكتاباتك أنا وزوجتي، وضغط علي حروف كلمة زوجته والدموع تلمع في عينيه، همست شرين قائلة يبدو أنك كنت تحبها جداً، إشار لها نادر بالجلوس وهو يقول أن كلمة الحب كلمة بسيطة لاتكفي كي تعبر عن حبي لها، فلو كان الإنسان يضع في المقام الأول في الحب نفسه، فإنني كنت ومازالت أحبها أكثر من نفسي، أنت بالفعل كتبتي قصتي فهي قصة مثل أي قصة أخري ، ولكن الذي بين السطور حياة لاتكفي مجرد كلمات للتعبير عنها، لقد كانت زوجتي هي كل شيء بالنسبة لي في الحياة، لذلك حدثت لي صدمة كبيرة بعد أن فقدتها والآن ليس لدي أي دافع للتمسك بالحياة مرة أخري، ومن أجل من كادت أن تقاطعه وتقول له من أجلي أنا، ولكنها سيطرت علي مشاعرها بصعوبة، فمنذ أن وقعت عيناها عليه أول مرة شعرت أن مصيرهم حتماً سيكون في طريق واحد، لوحت شيرين بكفها قائلة أنا لا ألومك علي كل ما تفعله ولكن لأننا نعرف جيدًا نهاية الحياة هو الموت الذي يطوي بين كلماته كل نجاح وكل معاني الحياة، ورغم أننا نعرف تلك النهاية المحتومة إلا أننا نتشبت بالحياة ونكافح ونناضل من أجل الوصول إلي القمة، ولأن الفرصة في الحياة فرصة واحدة لن تتكرر ثانية لذا علينا أن نؤمن أن الحياة لاتتوقف عند رحيل إنسان مهما كانت درجة قرابة هذا الإنسان لنا، علينا أن نكمل دورنا في الحياة وعندما ينتهي هذا الدور يجب أن نمنح الفرصة للآخرين كي يكملوا دورهم ايضًا، لقد وهبنا الله العلم الذي يجعلنا مثل الشموع المضيئة التي تنير الحياة للآخرين، وأنت تستطيع أن تجد ذلك الحب الذي فقدته في نظرة مريض تعيد له الأمل في الحياة من جديد، ثم نظرت في ساعتها وهي تقول له سأنصرف الآن لأنني تأخرت كثيراً علي عملي ولن أحضر لزيارتك ثانية إلا عندما تأتي أنت لزيارتي في مقر عملي لأنني لاأريد أن أري المريض نادر الفاقد لكل معاني الحياة مرة أخري، ستجد رقم هاتفي مع مدير المستشفي وسأنتظر زيارتك في أقرب وقت وأرجو إلا تدعني أنتظر ذلك كثيراً إلي اللقاء.....
مساء الخير هل تتنظرين أحد ما فوجئت شيرين بالدكتور نادر وهو يقف بسيارته أمامها وهي تعبر الطريق من أمام الجريدة، وأبتسمت وهي تمد يديها من خلال زجاج النافذة لتصافحه، وعندما لامست أناملها يده شعرت أن شريان بين قلبه وقلبها قد تواصلا وأصبح شيء واحد، وأرتبكت وهي تقول له وهل هناك أفضل منك لأنتظره أنها مفأجاة جميلة هل كنت تمر بالصدفة من هنا، أبتسم نادر وهو يقول لها في الحقيقة أنها ليست مصادفة لقد أتصلت علي هاتف منزلك وعرفت أنك تعملين في الجريدة وأنا انتظرك هنا أكثر من ساعة، وعندما حضرت إلي مقر الجريدة سألت في الاستعلامات وعرفت أنك مازلتي في مكتبك تعملين ، شعرت شيرين بالسعادة وهي تجده قد أستعاد نشاطه وحيويته وأبتسمت وهي تقول له أعتقد أنك الآن أصبحت في أحسن حال، فقال لها أن الفضل يرجع لك لقد كنت كالغريق الذي يبحث عن قارب نجاة وكنت أنت قارب النجاة الذي أعاد لي الحياة بعد أن ظننت أنني مودعها، فهل تسمحين أن تظلي بجانبي دائما حتي لا أعود إلي الغرق ثانية، خفق قلبها في عنف وهي تجيبه في دهشة أنا بجانبك فعلاً، وستجدني دائما خير صديقة لك في وقت الازمات، تمتم نادر في سرعة ليس ذلك ما أقصده بالتحديد وأن كان يشرفني أن نكون اصدقاء، ولكني أود أن نرتبط للأبد أنا وأنت بالرباط المقدس، أنتاب شرين أحساس غريب وهي تقول له أنا لن أجد أفضل منك للأرتباط به لكني أخشي أن يكون هذا القرار أخذته دون تفكير جيد منك أو تحت تأثير الحالة النفسية التي كنت فيها، هتف نادر في حدة هل تظنين هذا أعتقد أنه ليس من السهولة أتخاذ قرار مثل ذلك، منذ آخر لقاء قد حدث بنا وصورتك في خيالي لم تفارقني حتي الآن، ومنذ أول لقاء لنا حاولت أن اكذب ذلك الشعور بداخلي، وأن أهرب منه، ولكنه رفض أن يتركني، وتأكد ذلك الشعور بداخلي عندما ألتقينا مرة أخري لقد أصبحتي بالنسبة لي مثل شعاع الشمس الذي ينير لي طريقي، وأعتقد أن مشاعري لن تتغير بمرور الوقت، تطلعت شيرين إلي وجهه نادر لعدة لحظات قبل أن تقول إذا كنت متأكد من قوة شعورك هذا فإنني لاأستطيع أن أرفض طلبك هذا، فإنني بداخلي أيضًا بعض المشاعر الجميلة نحوك ويسعدني أن نكمل حياتنا معاً، سأنتظرك في الغد لتقابل عائلتي الصغيرة، توقف نادر أمام منزلها وهو يقول لها مودعاً أعتقد أن هذه اللحظات التي أمر بها الآن هي من أسعد لحظات حياتي، ولكن للأسف اللحظات السعيدة تمر دائماً دون أن نشعر بها، ولكني أعدك أن حياتنا القادمة ستكون مليئة دائماً بتلك اللحظات السعيدة التي لاتنتهي أبدًا.
