recent
عـــــــاجــــل

ماذا تعرف عن حب الأوطان " الجزء الثالث "

الصفحة الرئيسية

ماذا تعرف عن حب الأوطان " الجزء الثالث "




إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع حب الأوطان، فإن ارتباط الإنسان بوطنه وبلده مسألة متأصلة في النفس، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، ومكان العبادة، ومحل المال والعرض، ومكان الشرف، على أرضه يحيا، ويعبد ربه، ومن خيراته يعيش، ومن مائه يرتوي، وكرامته من كرامته، وعزته من عزته، به يعرف، وعنه يدافع، والوطن نعمة من الله على الفرد والمجتمع، ومحبة الوطن طبيعة طبع الله النفوس عليها، ولا يخرج الإنسان من وطنه إلا إذا اضطرته أمور للخروج منه، كما حصل لنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما أخرجه الذين كفروا من مكة، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة التوبة " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " وكما حدث لنبى الله موسى عليه السلام، حيث قال الله تعالى فى كتابه العزيز فى سورة القصص " فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا " وقيل فلما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله وحن إلى وطنه، وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغوار، وتركب الأخطار، وتعلل الخواطر، ولما كان الخروج من الوطن قاسيا على النفس، صعبا عليها، فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله. 

فللمهاجرين على الأنصار أفضلية ترك الوطن، ما يدل على أن ترك الوطن ليس بالأمر السهل على النفس، وقد مدحهم الله سبحانه وتعالى على ذلك فقال تعالى فى كتابه الكريم فى سورة الحشر " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " وإن من حقوق الوطن أن يسعى كل فرد فيه للحفاظ عليه وتنميته وازدهاره، ليشعر جميع أفراده أنهم متساوون في الحقوق والواجبات، لا فرق بينهم ولا تمايز، فحب الوطن لا يكون بمجرد الكلمات والشعارات، بل هو مرتبط بسلوك الفرد المحب ارتباطا لا انفكاك منه، يلازمه في كل مكان، في حله وترحاله، في المنزل والشارع، في مقر عمله وفي سهوله ووديانه، فحب الوطن يظهر في احترام أنظمته وقوانينه، وفي التشبث بكل ما يؤدي إلى وحدته وقوته، حب الوطن يظهر في المحافظة على منشآته ومنجزاته، وفي الاهتمام بنظافته وجماله، حب الوطن يظهر في إخلاص العامل في مصنعه، والموظف في إدارته، والمعلم في مدرسته، حب الوطن يظهر في إخلاص أصحاب المناصب والمسؤولين فيما تحت أيديهم من مسؤوليات وأمانات، حب الوطن يظهر في المحافظة على أمواله وثرواته. 

وحب الوطن يظهر في تحقيق العدل ونشر الخير والقيام بمصالح العباد كل حسب مسؤوليته وموقعه، حب الوطن يظهر في المحافظة على أمنه واستقراره والدفاع عنه، حب الوطن يظهر بنشر القيم والأخلاق الفاضلة ونشر روح التسامح والمحبة والأخوة بين الجميع، وأن نحقق مبدأ الأخوة الإيمانية في نفوسنا، وأن ننبذ أسباب الفرقة والخلاف والتمزق، وأن نقيم شرع الله في واقع حياتنا وسلوكنا ومعاملاتنا، ففيه الضمان لحياة سعيدة وآخرة طيبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم، ولقد اقترن حب الأرض في القرآن الكريم بحب النفس، ولقد بينت الآية شدة تعلق النفس السوية بوطنها، وأن الإبعاد عنه عقوبة مؤلمة، لذا جعل الشرع الحنيف الإبعاد عن الوطن عقوبة للمفسدين في الأرض، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم " وقيل عن حب الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وحنينهم إلى وطنهم مكة المكرمة. 

بأنه إن كان دعاة الوطنية يريدون بها، أي الوطنية حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، ومأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلال الذي ضحى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة، فكان يقول ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة، بواد وحولي إذخر وجليل وهـل أردن يوما مياه مجنة، وهل يبدون لي شامة وطفيل، وقد أخرج الأزرقي في أخبار مكة عن ابن شهاب قال، قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فدخل على السيدة عائشة رضي الله عنها، فقالت له يا أصيل كيف عهدت مكة؟ قال عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت أقم حتى يأتيك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يلبث أن دخل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له "يا أصيل كيف عهدت مكة؟ قال والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، فقال صلى الله عليه وسلم "حسبك يا أصيل لا تحزنا" وفى روايه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويها يا أصيل، دع القلوب تقر قرارها" 

أرأيت كيف عبر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، عن حبه وهيامه وحنينه إلى وطنه بقوله "يا أصيل دع القلوب تقر" فإن ذكر بلده الحبيب الذي ولد فيه، ونشأ تحت سمائه وفوق أرضه، وبلغ أشده وأكرم بالنبوة في رحابه أمامه يثير لواعج شوقه، ويذكي جمرة حنينه إلى موطنه الحبيب الأثير العزيز، وأرأيت كيف أن الصحابة المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يحاولون تخفيف حدة شوقهم وإطفاء لظى حنينهم إلى وطنهم بالأبيات الرقيقة المرققة التي تذكرهم بمعالم وطنهم من الوديان والموارد والجبال والوهاد والنجاد، وإن تراب الوطن الذي نعيش عليه له الفضل علينا في جميع مجالات حياتنا الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية، بل إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يستخدم تراب وطنه في الرقية والعلاج، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية " باسم الله، تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقمنا بإذن ربنا " رواه البخارى ومسلم، وإن الشفاء في شم المحبوب، وإن من ألوان الدواء هو لقاء المحب محبوبه أو أثرا من آثاره، ألم يُشف يعقوب ويعود إليه بصره عندما ألقَوا عليه قميص يوسف؟ فقد قال الجاحظ " كانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها.

رملا وعفرا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع " وهكذا يظهر لنا بجلاء فضيلة وأهمية حب الوطن والانتماء والحنين إليه في الإسلام، وإن المسلم الحقيقي يكون وفيّا أعظم ما يكون الوفاء لوطنه، محبّا أشد ما يكون الحب له، مستعدا للتضحية دائما في سبيله بنفسه ونفيسة، ورخيصة وغالية، فحبه لوطنه حب طبيعي مفطور عليه، حب أجل وأسمى من أن ترتقي إليه شبهة أو شك، حب تدعو إليه الفطرة، وترحب به العقيدة، وتؤيده السنة، وتجمع عليه خيار الأمة، فيا له من حب، وقد قيل لأعرابي كيف تصنعون في البادية إذا اشتد القيظ حين ينتعل كل شيء ظله؟ فقال الإعرابى يمشي أحدنا ميلا، فيرفض عرقا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساه، ويجلس في فيه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى، أي حب هذا وهو يلاقي ما يلاقي، إنه يقول أنا في وطني بهذه الحالة ملك مثل كسرى في إيوانه، وإن المواطنة الحقة قيم ومبادئ وإحساس ونصيحة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وعزة وموالاة وتضحية وإيثار والتزام أخلاقي للفرد والأمة، إنها شعور بالشوق إلى الوطن حتى وإن كان لا يعيش الفرد في مرابعه، فإن من مقتضيات الانتماء للوطن هو محبته والافتخار به وصيانته والدفاع عنه والنصيحة له والحرص على سلامته واحترام أفراده. 

وتقدير علمائه وطاعة ولاة أمره، ومن مقتضيات الوطنية هو القيام بالواجبات والمسئوليات كل في موضعه مع الأمانة والصدق، وإن من مقتضيات حب الوطن هو احترام نظمه وثقافته والمحافظة على مرافقه وموارد الاقتصاد فيه، والحرص على مكتسباته وعوامل بنائه ورخائه، والحذر من كل ما يؤدي إلى نقصه، وإن الدفاع عن الوطن واجب شرعي، وإن الموت في سبيل ذلك شهامة وشهادة، وفي قصة الملأ من بني إسرائيل بقول الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة البقرة " قالوا وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا " وحتى تتبين مظاهر الوطنية الصادقة ويسقط زيف الشعارات فإن المتأمل في الواقع يميز بين المواطن الصالح الناصح لوطنه وبين الكاذب بالشعارات، فإن لخيانة الوطن مظاهر، وظواهر بعضها مرّ على بلادنا فحسم أمره وكبت شره، وبعضها لم يزل قائما يتشكل ويتلون ويخف ويشتد ويبين ويتوارى، وبعضها يظهر باسم الغيرة على الوطن وفي حقيقته غيرة منه، وإن المسلم الحقيقي يكون وفيّا أعظم ما يكون الوفاء لوطنه، محبّا أشد ما يكون الحب له، مستعدا للتضحية دائما في سبيله بنفسه ونفيسه، ورخيصه وغاليه، فحبه لوطنه حب طبيعي مفطور عليه، حب أجل وأسمى من أن ترتقي إليه شبهة أو شك، حب تدعو إليه الفطرة، وترحب به العقيدة، وتؤيده السنة، وتجمع عليه خيار الأمة.


ماذا تعرف عن حب الأوطان " الجزء الثالث "


google-playkhamsatmostaqltradent