recent
عـــــــاجــــل

فاروق يوسف وبطولة أنصاف المثقفين

 

 فاروق يوسف وبطولة أنصاف المثقفين


بقلم: صلاح علام


في المقال السابق حكايات الغريب الجزء الثانى تكلمنا عن التخبط الفكرى والايدولوجي لدى المجتمعات الشرقية والعربية وتحديدا ما هو كائن في مجتمعنا المصري المسالم ثمة مساحات رمادية وأركان ضبابية في عقولنا تتجمع فيها أفكار وتنحصر فيها أفكار أخري تسيطر البعض منها علينا وقد تدفعنا احيانا الي التحرك الي اتجاهات الهلاك الحتمي أو السخرية الحتمية فأنصاف المتعلمين أو أنصاف المثقفين هم من تدفعهم أفكارهم وثقافتهم المنقوصة الي الهلاك الحتمي أحيانا او السخرية الحتمية منهم ومن افكارهم أحيانا أخرى .
وكم من مراحل وفترات عاشتها مصر تخبط فيها شبابها وبناتها في أفكار ومعتقدات مستوردة وأفكار دخيلة في جلباب الحداثة والتطوير فلكل فئة من المثقفين أنصافهم والغريب أن جميعهم علي يقين بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة والواقع انهم لا يملكون سوى الحماس المطلق وهم يتصببون عرقا في الدفع بأنفسهم الي السخرية المطلقة منهم ,
وقد عبرت السينما المصرية في افلام السبعينيات عن ذلك الشباب المتحمس والمتخبط بين الأصالة والحداثة ففى فيلم الكرنك مثلا وهو من أهم الأفلام التي رصدت واقع هذا الشباب رصدت كاميرا الفيلم كل الفئات ذات الصوت العالي في هذه الفترة ولعل من أكثرهم كوميدية وظهورا الدور الذي قام به الفنان الراحل فاروق يوسف – ذلك الشاب المصري البسيط في ملامحه الجاد في فنه الصارم في أدائه صائد الضحكات والأفيهات الكوميدية من علي شفاه جمهوره ومحبيه – فقد قدم دور شاعر المقهي البلدى الذي كان يلقي قصيدة يصف فيها واقعه المرير والواقع أن حاله المثير للضحك هو الأشد مرارة فتراه يصيح ويصيح ويتشنج وينفعل بجسده كله وأنت لا تفهم شيئا مما يقوله فقط لا تجد منه الا العرق الذي يتصبب منه والإحمرار الذي ينفجر من وجهه الكوميدي بينما جمهوره ينفجرون ضحكا أمامه وهو يفهمون منه جيدا أي فئة من الشباب يعبر عنهم إنه ذلك الشباب المتحمس المتزاحمة فيه الأفكار والطاقات ولكنه لا يعي من الواقع شيئا .
ثم تجد الفنان عدلي كاسب بطيبته المعهودة في نفس المشهد وهو ينظر الي فاروق يوسف مبتسما وساخرا مما يقول ومن شدة إنفعاله المثيرة للشفقة والضحك أيضا .... ثم يأتي الفنان القدير عماد حمدي محدثا هذا الشاب المتحمس المتصبب عرقا والذي لم يفهم من أشعاره شيئا أو مما يقوله أحدا ... ليسأله عن قيمة ما يقوله ومن سيفهمه أو يستمع إليه .... فيرد عليه فاروق يوسف أنه كان يعبر عن نفسه وعن ألامه وأحلامه ولكن يستكمل عماد حمدي اعتراضه علي هذا الشاب وأشعاره شكلا وموضوعا .
ان هذا الدور الذي لعبه فاروق يوسف استطاع أن يعبر بأداءه حقا عن قاعدة كبيرة من الشباب المتحمس المزدحم بالافكار والطاقات ولكنه مازال ساذجا لم ينضج بعد فلم يكن دور فاروق يوسف دورا هامشيا أو ظهوره مكملا حتي للمشهد أو لحركة الكاميرا داخل المقهي ولم يكن المشهد بأكمله مشهدا تكميليا وليس دورا علي هامش الفيلم أو مكملا لزاوية الكاميرل بل إستطاع فاروق يوسف بملامحه المتوسطة والمعبرة عن الطبقة الكادحة المظلومة أن يجسد هذه الشخصية بإتقان شديد بل وجعلها من الشخصيات الاساسية ذات الطابع المستقل والاداء المتفرد الذي لا ينسي في هذا الفيلم كما لا ينسي نور الشريف او سعاد حسني او محمد صبحي أو شويكار .
فاروق يوسف ممثلا يرفع ويملاء الشخصية قبل أن يجسدها ثم يظهرها ويضيئها ويرفع من شأنها في الفيلم محببا جمهوره فيه وفيه دوره ويجعل من الشخصية محورا لا غني عنه في الفيلم بل وأحيانا كان يجعل من الدور الي يلعبه إشارة للفيلم نفسه ووسيلة للتذكير بأحداثه .
فاروق يوسف كان وما زال بطلا بأدائه وليس فقط بطلا بدوره كان وما زال بطلا بروحه وبذاته وبموهبته ... وهو ما نجده نادرا في أي وظيفة أو مهنة فالبطل بأدائه هو من يحبب لك العمل ويجعلك تتمني أن تكون هو .... أو من تتعاطف معه هو ..... وفي النهاية لا تجد لنفسك مفرا من أن تحبه وتحترمه وتبتسم كلما تذكرته هو ..... إنه الراحل فاروق يوسف .
google-playkhamsatmostaqltradent