«الترادف في القرآن الكريم عند العلامة الطاهر بن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) بين النظرية والتطبيق»
بقلم : إيهاب العطار
إن مسألة الترادف في اللغة من المسائل التي شغلت العلماء قديمًا وحديثًا : فمنهم من أقر بثبوته ، ومنهم من نفاه ، ومنهم من قال بندرته .
وأود في هذا المقال أن أبدأ بتعريف الترادف ثم أُثني بذكر من أثبت الترادف ومن نفاه من السادة العلماء ، وأختم مقالي بما عنونت به المقال « الترادف في القرآن الكريم عند العلامة الطاهر بن عاشور في كتابه ( التحرير والتنوير) بين النظرية والتطبيق»
أولاً : تعريف الترادف :
★جاء في تاج العروس (٦/١٩٦) : والمترادف أن تكون أسماء لشيء واحد .
وفي المعجم الوسيط (ص٣٣٩) :الترادف : ترادف الكلمتين أن تكونا بمعنى واحد ، وكذلك ترادف الكلمات .
وعرّفه القرافي في شرح تنقيح الأصول (ص٣١) بقوله: والألفاظ المترادفة : هي الألفاظ الكثيرة لمعنى واحد ، كالقمح والبر والحنطة.
وفي علم الدلالة (ص١٤٥)يقول أستاذنا الدكتور أحمد مختار عمر : المترادف: وهو أن يدل أكثر من لفظ على معنى واحد.
★ وأول من سمى الترادف بهذا الاسم هو أبو الحسن الرماني(ت ٣٨٣هـ) في كتاب عنوانه (كتاب الألفاظ المترادفة والمتقاربة في المعنى).
★ ولكن مفهوم الترادف استقر قبل الرماني بكثير فها هو سيبويه يعرفه في كتابه الكتاب (٢٤/١) بقوله :« واختلاف اللفظين والمعنى واحد ،نحو : ذهب وانطلق»
ثانيًا: من أثبت الترادف ومن نفاه من السادة العلماء :
★ ومن العلماء المثبتين الترادف في اللغة :
١- الأصمعي .
٢- وسيبويه .
٣- وأبو زيد الأنصاري.
٤- وابن خالويه.
٥- وابن جني .
٦- وابن سيده.
٧- والفيروزابادي .
٨- وقطرب .
٩- والرماني .
١٠- والهمذاني .
١١- وابن تيمية.
١٢- وابن القيم .
★ ومن العلماء النافين الترادف في اللغة:
١- ثعلب .
٢- وابن الأعرابي .
٣- وابن درستويه.
٤- وابن فارس .
٥- وأبو الهلال العسكري .
٦- ونور الدين الجزائري
ثالثًا:الترادف في القرآن الكريم عند العلامة الطاهر بن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) بين النظرية والتطبيق:
١- الجانب النظري :
إن القارئ التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور يدرك للوهلة الأولى أن ابن عاشور - من الناحية النظرية - يقول بعدم الترادف في اللغة ، يظهر ذلك جليًّا في قوله : لأن الأصل عدم الترادف (١/٢٢٥)
وفي قوله - أيضًا-: لأن الأصل في اللغة عدم الترادف(١٨/٩٧).
٢- الجانب التطبيقي:
إن المتتبع ظاهرة الترادف في القرآن الكريم عند العلامة الطاهر بن عاشور يجدها ظاهرة لائحة في كتابه الماتع( التحرير والتنوير)
ومن الأدلة على إقراره بالترادف في القرآن الكريم :
أ- قوله في سياق تفسيره قول الله تعالى :« قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا » (الأعراف : ١٢٩) :« والإتيان والمجيء مترادفان ؛ فذكر المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى ، ولكن للتفنن وكراهية إعادة اللفظ ، والإتيان والمجيء مدلولهما واحد» (٩/٦١) وما بعدها.
ب- وقوله في سياق تفسيره سورة الأنفال :« فالنفل والغنيمة مترادفان ، وذلك مقتضى استعمال اللغة ، فعن ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، وعطاء : الأنفال الغنائم » ((١٠/٦).
جـ - وقوله في سياق تفسيره قول الله تعالى:« قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (٣٦) يأتوك بكل سحار عليم (٣٧) (الشعراء ) : تقدم الكلام على نظيرها في سورة (الأعراف ) سوى أن هذه الآية « وابعث» بدل « وأرسل » (الأعراف: ١١١) وهما مترادفان » ( ١٩/١٢٤) قلت يقصد بالمترادفين كلمتي (ابعث وأرسل).
وهنا ربما يعترض معترِض فيقول : إن العلامة الطاهر بن عاشور يقصد بكلمة مترادفين أنهما متقاربان لا متحدان في المعنى !
ونحن لا نسلم لهذا الاعتراض ولا نلتفت إليه لثلاثة أدلة .
الدليل الأول :
إن العلامة الطاهر بن عاشور فرّق بين المترادفين والمتقاربين في المعنى .. يقول ابن عاشور في سياق تفسيره قول الله تعالى:« فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ...» ( النجم:٢٩)
: فإن الإعراض والتولى مترادفان أو متقاربان .(٢٧/١١٧) .فانظر - يرحمك الله - كيف فرّق بين المترادفين والمتقاربين ؛ حتى لا يقول قائل: إن الترادف عند العلامة الطاهر بن عاشور هو هو التقارب في المعني .
الدليل الثاني :
يقول العلامة الطاهر بن عاشور: وجمع بين الوهن والضعف ، وهما متقاربان تقاربًا قريبًا من المترادف (٤/١١٨) فتأمل - رفع الله قدرك - كيف فرق بين الترادف والتقارب ، ووضح أنهما ليسا شيئًا واحدًا .
الدليل الثالث:
يقول العلامة الطاهر بن عاشور : والعقل والعلم مترادفان (٢٣/٣٤٨)، ويقول في سياق تفسيره سورة لقمان ؛ ليؤكد أن المقصود بالترادف هو تطابق المعنى واتحاده لا تقاربه : وعبر هنا بـ«لا يعلمون» (لقمان : ٢٥) ، وفي سورة العنكبوت (الآية:٦٣) بـ« لا يعقلون تفننًا في المخالفة بين القصتين مع اتحاد المعنى .( ٢١/١٧٩) .
وبذلك «قطعت جهيزة قول كل خطيب » .