recent
عـــــــاجــــل

أفريقيا.. بؤرة جديدة للإرهاب


زاوية تحليلية: أفريقيا.. بؤرة جديدة للإرهاب

أفريقيا.. بؤرة جديدة للإرهاب 

في فبراير 2020، تقدَّم السيد الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، إبّان قمة الاتحاد الإفريقي لرؤساء الدول والحكومات، بمقترح حول استضافة مصر لقمة إفريقية بهدف التباحث لإنشاء قوة إفريقية مشتركة تتصدى للإرهاب، وتعد الظروف الراهنة مواتية لتجديد الدعوة المصرية؛ حيث أصبحت القارة الإفريقية في الآونة الأخيرة موطئ قدم للعديد من الجماعات الإرهابية، في ضوء احتوائها على 7 دول ضمن أكثر 10 دول تواجه أكبر تهديد إرهابي عالميًّا،  وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020، والذي أكَّد أن نسبة الحوادث الإرهابية بالقارة الإفريقية زادت بنسبة 13% في الربع الأخير من عام 2020 مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة على هذه الفترة.

هذا، وقد أفاد المؤشر -أيضًا- بوجود 9 دول إفريقية أخرى شهدت زيادات كبرى في وتيرة الهجمات الإرهابية وشدتها، إذ تراجعت بوروندي من المرتبة 37 عالميًّا لتصبح في المركز الـ 27 ضمن الدول الأكثر معاناة من الهجمات الإرهابية، كما شهدت كلٌّ من كوت ديفوار وتنزانيا تراجعًا مماثلًا إلى المركزين 30 و32 على التوالي، هذا فضلًا عن تشاد، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وكينيا، وموزمبيق، والسنغال، وقد خلص مؤشر الإرهاب العالمي إلى أن مركز ثقل تنظيم داعش الإرهابي قد انتقل الآن من الشرق الأوسط إلى إفريقيا، حيث وقع نحو 41% من إجمالي ضحايا التنظيم في القارة السمراء، بزيادة قدرها 67٪ عن عام 2019.

ورغم أن بعض التقديرات تشير إلى أن الجماعات الإرهابية في إفريقيا تدين بالولاء للجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط، فإن ظاهرة الإرهاب في إفريقيا تأتي في إطار الشأن المحلي؛ فظهور هذه الجماعات يأتي مدفوعًا بالعديد من العوامل، في مقدمتها الفقر، والحاجة إلى الخدمات العامة، وغياب السلطة الفاعلة، وانتشار الفساد، والتهميش. وتُعزى زيادة وتيرة الهجمات الإرهابية في الدول الإفريقية وفي غرب إفريقيا -بصورة خاصة- إلى استغلال الجماعات المتطرفة هشاشة الأنظمة الحكومية، والتي فاقمها تفشي جائحة فيروس كورونا، ومن المُستبعد انخفاض وتيرة الهجمات الإرهابية وشدتها خلال عام 2021؛ نظرًا لأن التداعيات الاقتصادية للجائحة تزيد الضغوط على خزائن تلك الدول؛ ممّا يعرقل جهود حكومات هذه البلدان في تنفيذ الاستراتيجيات المطلوبة لاحتواء التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب.

وفي ضوء ذلك، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ظاهرة الإرهاب تكلف الدول الإفريقية نحو 97 مليار دولار سنويًّا، وذلك من حيث تأثير الهجمات الإرهابية على البنية التحتية، والأضرار المادية التي تُسفر عنها، فضلًا عن التأثير على الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي في تلك الدول، بالإضافة إلى تخصيص المزيد من الأموال للإنفاق الأمني، بما يؤثِّر على تنفيذ الاستراتيجيات التنموية.

ونستعرض أمثلةً لأبرز المستجدات التي تشهدها بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، من حيث تفشي ظاهرة الإرهاب والأوضاع المتفاقمة بها، فيما يلي:

أولًا: موزمبيق.. رغم سيطرة الجيش على "بالما" يواصل مئات المواطنين الفرار منها:


لا يزال مئات المواطنين يواصلون الفرار من قرية "بالما" بمقاطعة "كابو ديلجادو" -شمالي موزمبيق-، وذلك بعد مرور عدة أسابيع على إعلان الجيش إحكام سيطرته على القرية، عقب هجمات شنَّها تنظيم "داعش" الإرهابي عليها، في 24 مارس 2021، وقد أضحت حالة القلق وغياب الأمن هاجسًا مسيطرًا على سكان القرية منذ ذلك الحين؛ الأمر الذي دفع المئات منهم إلى استمرار النزوح للقرى والمناطق المجاورة، ويأتي ذلك رغم تلقِّي الرئيس الموزمبيقي "فيليب نيوسي" مؤخرًا منحة من البنك الدولي بقيمة 100 مليون دولار، وتخصيصها لتمويل مشروعات البنية التحتية، فضلًا عن تعهده ببذل الجهود كي تعود الحياة لطبيعتها، والتصدي لمثل هذه الهجمات الإرهابية الوحشية.

وتجدُر الإشارة إلى أن مقاطعة "كابو ديلجادو" تحظى بأهمية استراتيجية بالغة، ومن ثم تشكِّل دائمًا هدفًا لهجمات تنظيم "داعش"؛ فالمقاطعة تزخر بالنفط والغاز الطبيعي، وتشكِّل موطنًا لواحد من أهم مشروعات الغاز الطبيعي المُسال في إفريقيا، والذي تُقدَّر قيمته بنحو 60 مليار دولار، وتديره شركة "توتال" الفرنسية، ويُعد بمثابة حجز الزاوية للنهوض بالاقتصاد الموزمبيقي، وقد جرى تعليق العمل بالمشروع عقب الهجمات الداعشية الأخيرة، خصوصًا أن عددًا من العاملين لدى "توتال" سقطوا إثر تلك الهجمات.

وقد أفضت الهجمات الداعشية الأخيرة على قرية "بالما" إلى مزيد من تعقُّد الأوضاع الإنسانية بها؛ إذ نزح نحو 30 ألفا من مواطني القرية إلى المناطق المجاورة، وذلك بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وقد أدى النزاع المسلح الدائر في مقاطعة "كابو ديلجادو" الغنية بالنفط والغاز إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتعطيل الخدمات الأساسية. وبصفة عامة، تعاني موزمبيق تحت وطأة الإرهاب؛ إذ إنه وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي الصادر في نوفمبر 2020، تأتي موزمبيق في المرتبة الـ 15 في قائمة الدول الأشد تأثرًا بالإرهاب على مستوى العالم، ووفقًا للمؤشر ذاته، ارتفعت أعداد القتلى بموزمبيق نتيجة الإرهاب من 133 قتيلا في عام 2018 إلى 319 قتيلا في عام 2019، مما يعني زيادة بمعدل 140%.


ثانيًا: تشاد.. مقتل "ديبي" يزعزع استقرار غرب إفريقيا ويقوض جهود مكافحة الإرهاب:


أدى مقتل الرئيس التشادي "إدريس ديبي"، في 20 أبريل 2021، على أيدي مجموعة من المتمردين التابعين لجبهة التغيير والوفاق في تشاد (FACT) إلى زعزعة استقرار تشاد بشكلٍ خاص، ومنطقة غرب إفريقيا بشكل عام؛ إذ تعاني تلك المنطقة بالفعل من تدهور الأوضاع الأمنية، ولا سيَّما في كلٍّ من مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وشمال نيجيريا؛ نظرًا لأنه خلال 3 عقود من حكم "ديبي" كان يُنظر إلى تشاد باعتبارها ركيزة أساسية لمكافحة الإرهاب في المنطقة، وحليفا رئيسا لواشنطن وباريس في هذا الشأن.

وفي هذا السياق، تقوِّض وفاة "ديبي" من دور تشاد كمحور رئيس لتعزيز استقرار المنطقة، كما أن احتمالية انهيار تشاد، كما حدث في ليبيا في أعقاب سقوط الرئيس السابق "معمر القذافي"، تُنذر بسلسلة من ردود الفعل الإرهابية المُزعزعة للاستقرار، فضلًا عن احتمالية تعاظم المخاطر في الساحل الإفريقي، وتجدُر الإشارة إلى أنه رغم تضافر الجهود الفرنسية والأمريكية مع جهود حكومات المنطقة، فإنها فشلت في تحقيق النتائج المرجوة ودحر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي؛ حيث كان العام المُنصرم 2020 هو الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للهجمات الإرهابية في تلك المنطقة، وقد أكَّد مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن الهجمات العنيفة لتنظيم "داعش" في الصحراء الكبرى قد تصاعدت وامتدت إلى مناطق جديدة في غرب إفريقيا، ولا سيَّما في جنوب مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر.

ثالثًا: نيجيريا.. الخلافات بين فرق الأمن الإقليمية تُثير الذعر في نيجيريا:


ازدادت حدّة الأزمة الأمنية التي تشهدها نيجيريا في ضوء تصاعد الخلافات السياسة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات؛ حيث اجتمع قادة حكومات الولايات خلال شهر مايو 2021؛ للمطالبة بإجراء حوار وطني حول حالة الطوارئ الأمنية التي تشهدها البلاد، فضلًا عن إعادة الهيكلة الدستورية. وفي ضوء ذلك، دعت 128 منظمة من منظمات المجتمع المدني إلى إقامة "يوم حداد وطني"، في 28 مايو 2021؛ للاحتجاج على تصاعد حالة انعدام الأمن، وتقاعس الدولة في هذا الصدد؛ إذ أسفر تصاعد معدل التصحر في شمال البلاد إلى انتقال الرعاة للجنوب؛ مما أدي لاستهدافهم من قِبل العصابات التي تطالب بالحصول على فدية، وفي مواجهة ذلك، قامت ولايات جنوب غرب البلاد بتشكيل فرقة إقليمية أمنية تُدعى "أموتكون" Amotekun، ولكنها لم تحقق الكثير على أرض الواقع.

وفيما يخص الولايات الشرقية، شكّلت الشعوب الأصلية في "بيافرا" (IPOB) جناحًا عسكريًّا خاصا بها يسمى "شبكة الأمن الشرقية" (ESN)، إلا أنه تمّ اتهام تلك المجموعة بقتل رجال الشرطة والجنود، وارتكاب جرائم الحرق العمد في مراكز الشرطة والسجون، بما دفع حكام الأقاليم إلى تشكيل جماعة "إيبوب أجو" Ebube Agu بهدف توفير الأمن في المنطقة، ومع ذلك لم تتمتع تلك الجماعة بأي دعم قانوني على عكس "أموتكون" Amotekun، وتجدر الإشارة إلى أن جماعة "بوكو حرام" الإرهابية تنتشر في ربوع نيجريا وتقترب بصورة كبيرة من العاصمة "أبوجا"، ورغم تعهد الرئيس النيجيري "محمد بخاري" بإقرار الأمن ومحاربة الإرهاب، فإنه بعد 6 سنوات من استمراره في منصبه، أصبح يواجه تحديًّا خطيرًا يتمثَّل في انتشار الإرهابيين في أرجاء واسعة من البلاد، كما تفيد التقارير بأن إرهابي جماعة "بوكو حرام" يستخدمون الجبال والغابات المحيطة بالعاصمة كمخابئ لهم.

وفي هذا الإطار، دعا الرئيس النيجيري فرنسا إلى تعميق التعاون مع بلاده في مجال مكافحة الإرهاب من أجل دحر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، معربًا عن قلقه بشأن تصاعد الهجمات الإرهابية وانعدام الأمن في البلاد، ومؤكدًا أن الإرهابيين استغلوا تفشي جائحة فيروس كورونا لزيادة هجماتهم على المدنيين في شتى أنحاء منطقة الساحل الإفريقي، وفي هذا الصدد، أكَّد الرئيس النيجيري "محمد بخاري" أن خطر جماعة "بوكو حرام" يتفاقم في حوض بحيرة تشاد، وأنه تزايد مرة أخرى في إفريقيا؛ ولذا يتعيَّن تعزيز التعاون الفرنسي النيجيري، وخاصة في أعقاب مقتل الرئيس "ديبي"، مشددًا على ضرورة تضافر جهود دول الساحل الإفريقي للضغط على القوى العظمى مثل بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من أجل زيادة المساعدات العسكرية والإنسانية لدول المنطقة، كما أشار  في هذا الصدد، إلى تفاقم المخاطر الخاصة باحتمالية تجنيد الجماعات الإرهابية لمزيد من المواطنين، في ضوء تردي الظروف المعيشية. وتجدر الإشارة إلى أن نيجيريا قد احتلت المرتبة الثالثة عالميًّا في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020.


زاوية تحليلية: أفريقيا.. بؤرة جديدة للإرهاب


رابعًا: كينيا والصومال.. تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية


شهدت كينيا تصاعدًا للهجمات الإرهابية خلال شهر مايو 2021؛ إذا لقي 3 جنود بالشرطة مصرعهم في 12 مايو 2021، في هجوم لمسلحين من حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة على برج هاتف محمول بمقاطعة زاجير قرب الحدود مع الصومال، ومحاولة تفجيره بقاذفة صاروخية. وفي 19 مايو 2021، قُتل 7جنود كينيين بمقاطعة لامو، في انفجار عبوة ناسفة زرعتها قوات حركة الشباب، وذلك قبل أيام فقط من قيام الرئيس الكيني "أوهورو كينياتا" بافتتاح ميناء بملايين الدولارات في مقاطعة لامو؛ إذا أكّد الخبراء الأمنيون أن حركة الشباب ستشكل تهديدًا للميناء الجديد الذي تُقدر تكلفته بـ 410 ملايين دولار، وقد تُصعِّد أنشطتها في المقاطعة لاستهداف حركة المرور على الطرق من مرافق المواني وإليها، وابتزاز مستخدمي تلك المواني لجني الأموال، وزيادة تمويل الجماعة، كما يحدث في الصومال

وتجدر الإشارة إلى أن كينيا تقوم ببناء سياجات حدودية وخنادق على طول الحدود الصومالية لمنع المتطرفين وقطاع الطرق والمهاجرين غير الشرعيين من الدخول إلى أراضيها، وذلك في ضوء تعهُّد حركة الشباب بالانتقام من كينيا؛ لإرسالها قوات إلى الصومال لقتال المسلحين منذ عام 2011، ومن الجدير بالذكر أن الصومال قد شهد هجومًا إرهابيًّا في 10 مايو 2021؛ إذ قتلت حركة الشباب 6 أشخاص على الأقل، في هجوم انتحاري بمركز شرطة في العاصمة مقديشو.

google-playkhamsatmostaqltradent