الخلافة الراشدة " الجزء الثالث والعشرون "
كتب -محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث والعشرون مع الخلافة الراشدة، وقد توقفنا عندما أدى معاوية بن أبى سفيان فريضة الحج بمكة ثم دخل المدينة المنورة، وأمر القوم بمبايعة يزيد إبنه تحت ضغط السيوف، فبايعه الناس، وهكذا انتهى عهد الدولة الإسلامية الراشدة وبدأ عهد الدولة الإسلامية الثانية، أي الأموية، وتحول نظام الحكم من الشورى وبساطة العيش إلى التوريث، وسارت على هذا النهج باقي دول الخلافة الإسلامية بعد الأموية، وقد امتاز عصر الخلافة الراشدة باتباع الدولة مبادئ الشريعة الإسلامية، وكان التنظيم الإداري في الدولة يتألف من سلطة مركزية يترأسها الخليفة، وإدارات إقليمية تتفرع عنها للإشراف على ولايات الدولة المختلفة، تعمل مثل الإدارة المحلية.
في العصر الحديث، وعُمل في إدارة الولايات على فصل السلطة التشريعية التي يترأسها الخليفة عن السلطة التنفيذية التي يترأسها الولاة، كما فصل جهاز القضاء عن السلطة الحاكمة، وكانت الخلافة تتم بالبيعة، حيث يبايع الناس الخليفة على أن ينتهج سنة الله والرسول محمد صلى الله عليه وسلم في حكمه لهم، وإن التزم بذلك فإن البيعة قائمة، وإن نكصه بَطلت وألغيت، وإذا ما التزم الخليفة، فإن حكمه كان يدوم مدى الحياة، وكان الحكم الأول والأخير في جميع الأمور هو للخليفة نفسه، ولم تكن هناك في عهد الخلفاء الراشدين قيادة جماعية للدولة، ولم يكن للخليفة نائب ولا ولي ولا وكيل، إلا إن اضطر للغياب فإنه يُعين عندها من يتولى مكانه ويُدبر شؤون الدولة إلى حين عودته.
وتعد دولة الخلفاء الراشدين هي نظام الحكم الإسلامي المثالي في خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، خصوصا في عهدي أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وهي النموذج الذي يصبو إليه مؤيدو الخلافة الإسلامية في العصر الحديث، وقد اختلفت سياسات الخلفاء الراشدين وطرق تعاملهم مع شؤون الدولة فيما بينهم، فكانت لكل منهم معاييره الخاصة في انتقاء الولاة والعمال على أقاليم الدولة، فعمر بن الخطاب كان يرى دائما تقديم الصحابة للولاية، وأما عثمان بن عفان فلم يكن يهتم بذلك كثيرا، وكان يضع الأولوية لقوة وأمانة الوالي، فيما أن الإمام علي بن أبى طالب كان يضع الأولوية للقوة والشدة، وعندما يأتي ولاته الأفعال غير المناسبة كان يعالج ذلك بمعاقبتهم وتقويمهم.
ورغم ذلك، فقد اتجه جميع الخلفاء بالمجمل إلى تولية الصحابة لقدراتهم ومؤهلاتهم، وكان معظم ولاتهم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تدم ولاية العامل لمدة معينة، وإنما كانت ترجع إلى رضا الخليفة عنه وعن نجاحه في إدارة ولايته، وقد شملت مهام الوالي تحصين الثغور وتدريب الجنود وتقصي أخبار الأعداء، وتعيين العمال والموظفين الأقل رتبة على المدن، وإعمار الولايات كحفر العيون والأنهار وتعبيد الطرق وإقامة الجسور والأسواق والمساجد وتخطيط المدن وغيرها، إلا أن سلطات العمال وأعمالهم اتسعت تدريجيا مع تقدم الخلافة الراشدة، حتى امتلكوا في عهد عثمان بن عفان سلطات عسكرية كاملة، حيث يقومون بالفتوحات ويبنون الحصون.
إلا أن هذه الصلاحيات لم تتسع لتشمل السلطة المالية التي بقيت في أيدي عمال الخراج وجامعي الصدقات والزكوات، وكان بعد تولي الخليفة أبي بكر الصديق الحكم، رفض عدد من ولاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أن يعملوا لغيره من الخلفاء، فتنازلوا عن مناصبهم، وقام أبو بكر الصديق بتعيين ولاة جدد، وقد قام عمر بن الخطاب بعد الفتوحات الواسعة التي شهدها عصره بتقسيم دولة الخلافة الراشدة إلى ولايات مختلفة، وعين على كل ولاية منها عاملا ينوب عنه في تدبر شؤون حكمها، وكان يراقب ويحاسب هؤلاء العمال بدقة، حيث كان أقسى الخلفاء الراشدين في معاملة الولاة وأشدهم إصرارا على التقشف والتزام العدل، حتى أنه كان يستدعيهم في الحج من كل عام لتفقد أحوالهم.