علمنى الابتلاء
كتب/ خالد البليسى
علمنى الابتلاء أنه لا ملجأ من الله إلا إليه فالسماء سمائه والأرض أرضه والكون كونه والكون من عرشه إلى فرشه فى قبضته الكل خاشع لجلاله خاضع لأمره وحكمته قال تعالى:
(يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُواْ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍۢ)
وفى الحديث القدسى الجليل: من لم يرضى بقضائى ولم يصبر على بلائى فليخرج من تحت سمائى وليتخذ ربنا سواى
علمنى الابتلاء أن فى كل محنه منحه نعم فالابتلاءيقربنا من الله يذكرنا بنعم الله علينا فمن فقد الصحة والعافية تذكر نعم الله عليه فى الليل والنهار تذكر ما مضى من صحته وقوته وعافيته فمن نسى وغفل وفرط عاد بالابتلاء إلى رشده والى ربه ووضع نصب عينيه دائما قول الله عز وجل:
(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
علمنى الابتلاء أنه علامة لمحبة الله سبحانه وتعالى للعبد فما ابتلى الله عبدا الا لأنه يحبه نعم فلقد ابتلى الله أنبيائه فهذا هو يونس عليه السلام يبتليه الله بظلمات داخل ظلمات فى بطن الحوت قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وهذا نبى الله ايوب يبتليه الله عز وجل بفقد الصحة والعافية والاولاد والمال بل إن شئت فقل بفقد كل شىء ومع ذلك ما كان من نبى الله ايوب الا الادب الذى علمه إياه ربه قال تعالى:
(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
وهذا هو نبينا صلى الله عليه وسلم خير خلق الله قاطبة يبتلى فى دعوته فيصير يخنق خنقنا شديدا حتى كادت أنفاسه أن تخرج ولا تعود فيصبر يوضع التراب على رأسه فيصير يوضع سلى الجزور على ظهره وهو ساجد فيصبر يبتلى بفقد أولاده الذكور ويعير بذلك فيصبر تقول له عائشة رضى الله عنها
(يَا رَسولَ اللهِ، هلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ قدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَما رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، قالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بأَمْرِكَ، فَما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أَصْلَابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا)
فالابتلاء دليل لمحبة الرب سبحانه للعبد قال تعالى:
(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ )
وفى الحديث الصحيح عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ ، قَالَ: ( الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) اسال الله ان يجعلنا منهم بمنه وكرمه وان يرزقنا الرضى أنه ولى ذلك والقادر عليه...

