الرسول وحجة الوداع " الجزء الثانى"
إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع الرسول وحجة الوداع، ومن هذا البيت الصغير أشرقت الحياة من جديد، وآذنت بميلاد نبينا وحبيبنا محمد الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، التي شع لها الوجود، وانبلج لها فجر الزمان، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال "جاء إبراهيم عليه السلام بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له آالله أمرك بهذا؟
قال نعم، قالت إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال "ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع" حتى آخر الآيات، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ماء السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم ترى أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها.
فنظرت هل ترى أحدا، فلم ترى أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، وقال ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم "فذلك سعي الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت صه، تريد نفسها، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا فقال قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف، وفي رواية "بقدر ما تغرف" وقال ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم "رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم" أو قال صلى الله عليه وسلم "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا"
قال فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من قبيلة جُرهم أو أهل بيت من قبيلة جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا نعم، قال ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم "فألفى ذلك أم إسماعيل.
وهي تحب الأنس" فنزلوا، فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات، وشبّ الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا وفي رواية خرج يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال فإذا جاء زوجك أقرئي عليه السلام، وقولي له يغيّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا، فقال هل جاءكم من أحد؟ قالت نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال فهل أوصاك بشيء؟
