أهمية السلام على النفس والمجتمع " الجزء الثالث "
كتب-محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث مع أهمية السلام على النفس والمجتمع، وإن السلام هو حماية للعقل والوجدان فهو بعد ذلك كله يحترم العقل الإنساني، ويقدر الفكر البشري، ويجعل العقل والفكر وسيلتين من وسائل التفاهم والإقناع فهو لا يرغم أحدا على عقيدة معينة، ولا يكره إنسانا على نظرية خاصة بالكون أو الطبيعة أو الإنسان، وحتى في قضايا الدين يقرر أنه "لا إكراه في الدين" وأن وسيلته هي استعمال العقل والفكر والنظر فيما خلق الله من أشياء فيقول الله تعالى "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي " ويقول تعالى " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " ويقول تعالى " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله،ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون"
ويقول تعالى "قل انظروا ماذا في السموات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن وظيفته إلا أنه مبلغ عن الله وداعية إليه، فيقول الله تعالى " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " وأما عن العلاقات الإنسانية الإسلام فإنه لا يقف عند حد الإشادة بهذا المبدأ فحسب، وإنما يجعل العلاقة بين الأفراد، وبين الجماعات، وبين الدول، علاقة سلام وأمان، يستوي في ذلك علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وعلاقة المسلمين بغيرهم، وقد أنهكت الحروب والصراعات كافّة شعوب العالم، فالعالم كله اليوم يطمح إلى السلام الذي يلبي آمالهم وتطلعاتهم، ويجعلهم يعيشون حياة هانئة.
وكريمة دون خوف من الحروب والدمار والخراب فهذه الأمور ترعب الكبار، وتقضي على براءة الأطفال، وتهدم المباني، والحضارة، والآثار، وكان سعي شعوب العالم دءوبا جدا من أجل الوصول إلى هذه الغاية العظيمة والجليلة والتي عززتها الديانات السماوية التي دعت جميعها إلى المحبة، والرحمة، والسلام، والتآخي، وبناء المستقبل المشترك بين كافّة شعوب الكرة الأرضية، فالسلام اسم من أسماء الله الحسنى، والسلام هو تحية المسلمين، ودعوة الأنبياء عليهم السلام جميعا، والسلام هو ما نتعبد به الله تعالى في صلواتنا، فالصلاة تختتم بالسلام، وكأنها وصية السماء إلى الأرض قبل الانقطاع المؤقت والعودة ثانية إلى مشاغل الحياة الدنيا.
وأما عن أهمية السلام في حياتنا فإنه لا يمكن أبدا إغفال الدور الذي يمكن للسلام والتصالح، والمودة، والرحمة ولها أهميتها في حياتنا اليومية، فنحن خلقنا لنعيش في سلام وأمان واطمئنان، ولم نخلق لنقتل أو تقصف أعمارنا، وما يمكن تحقيقه في أوقات السلام أضعاف ما يمكن تحقيقه في النزاعات الدموية والحروب والكوارث البشرية، ومن خلال السلام يمكن للإنسان نشر فكرته التي من الممكن أن تكون قد تم وأدها خلال الحروب، أو على الأقل تم تشويهها، لهذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الرغم من صعوبة شروط التي اشترطها الكفار على المسلمين في صلح الحديبية إلا أنه قبل بها في مقابل الإبقاء على هدنة العشر سنوات.
ومن خلال السلام يمكن للناس التعلم، ونشر الثقافة، وبناء المجتمعات، والنهوض اقتصاديا واجتماعيا، فالحروب تدمر ولا تبني، فالبناء لا يكون إلا في أوقات السلم، والسلام يجعل الناس واعين ومدركين لمغبة الدخول في الحروب والتي ستكلفهم حياتهم مقابل هذه الغطرسة البشرية، والسلام هو الذي يقطع الطريق على تجار الحروب الذين يفتعلون الحروب، ويرغبون في استمرارها لأجل زيادة مبيعاتهم من الأسلحة، وبالتالي زيادة أرباحهم وأموالهم، والحروب تخرج أسوأ ما في الإنسان، والسلام يخرج أحسن وأفضل ما فيه، وإن السلام بيئة مناسبة لزيادة الإبداع، فهو الذي يمكن من خلاله زيادة منسوب الجمال على عكس الحرب الذي ينتج كل تعرف ما هو قميء وكريه.