recent
عـــــــاجــــل

وهكذا إستهدفت "أثيوبيا"حصة "مصر" من مياه النيل منذ القدم


وهكذا إستهدفت "أثيوبيا"حصة "مصر" من مياه النيل منذ القدم


      كتب -عدلى محمد عيسى


لم تستهدف "أثيوبيا" - الدولة المصرية فى حصتها من نيلها فقط بما أسموه سد النهضة- الذى لم يتمكنوا من وضع أول حجر فى أساسه إلا مع إندلاع نكسة يناير ٢٠١١م لإسقاط الدولة.

إن "أثيوبيا" لها تاريخ من المحاولات لم يكف عنها الإثيوبيون فقط من أجل حرمان "مصر" هبة النيل من حقها فيه - بدءاً من المجاعة العظمى قديماً التي عاشتها 'مصر"   فى عهد الخليفة العباسي "المستنصر بالله" ، ولذا عرفت بالشدة المستنصرية وكانت في بداية النصف الثاني من القرن الخامس الهجري -  والتى تحولت خلالها الأرض المصرية لصحراء وهلك الناس بإعداد مهولة ، ولم يسلم منها حتى  الخليفة المستنصر نفسه ، فعاش الجوع مع الرعية والشعب . 

تلك المجاعة العظمى والتصحر فى "مصر" لحد الهلاك -  كان ورائها ملك الحبشة ، واللى أمر بقطع ماء النيل عن "مصر"  وفعل ، ولم يعدل عن رأيه ويسمح بعودة سريان "النيل" مرة أخرى ، إلا عندنا ضغط البطريرك القبطي عليه لفعل ذلك ، بعد سنوات طوال أهلكت "مصر" وشعبها عطشاً وجوعاً .

ولكم ياسادة أن تتخيلوا أن ذلك قد تم فعله - أن سلطان "مصر" كان يدفع إتاوة لملك الحبشة حتى يتركوا النيل يجرى فى مساره الذى خلقه الله فى "مصر" - ولم يكتفوا بهذا ولكن تنبهوا أنهم بإمكانهم فى الحبشة أن يمنعوا ماء النيل عن "مصر" كى تتعرض للهلاك ، وليس فقط حلمهم بإهلاك "مصر" جفافاً ولكن وكما أشار المؤرخ "سيمون سيجولي" -  أنه بمجرد ما يفتح ملك الحبشة مجرى نهر ما  معين في بلاده ، فإنه سيُغرق القاهرة والإسكندرية وجميع أرض مصر". 

هذا فى القرون القديمة ولكنه نفس المخطط الذى يريدون تكملته ، مع بناء أثيوبيا لأكبر سد مخالف لكل القوانين والأعراف الدولية ، ليُشكِّل خطراً مقصوداً مع سبق الإصرار والترصد ، على مصر الدولة والشعب والتاريخ والحضارة والبشر .

هذا ما كانت تضمره الحبشة التى هى نفسها أثيوبيا الحالية ضد "مصر" منذ الأزل ، فى حين أن "مصر"  قد ساعدت الحبشة بواسطة الكنيسة  (الأرثوذكسية) المصرية ، في دخول المسيحية إليها على يد أحد رجال الدين الإسكندريين "فرومونتيوس" في نحو عام 320م والذى عيَّنه بطريرك الكنيسة المصرية آنذاك "أثناسيوس" بوصفه أول أسقف للكنيسة الحبشية التابعة للإسكندرية في منتصف القرن الرابع الميلادي .

ثم فتح الله ومن على "مصر" بنعمة الإسلام - سنة 20هـ/643م ،  وإستقبلت الحبشة وفد المهاجرين الأولين من المسلمين في بدايات القرن السابع الميلادي عام 615م ، ( فنزلوا عند النجاشي ) ملك أكسوم ، فإستقبلهم وأحسن ضيافتهم وأكرمهم ، ومن الثابت أن ( النجاشي قَبِل دعوة الرسول ) صلى الله عليه وسلم للإسلام في العام السادس من الهجرة ، ولما توفي في العام التاسع من الهجرة النبوية صلى عليه النبي وأصحابه صلاة الغائب .

وبهذا أصبحت "الحبشة" -  خليط من مسلمين ومسيحيين ، ومنذ القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي أصبحت مصر قبلة لمسيحيي الحبشة ، وفي الوقت ذاته كانت قبلة لمسلمي الزيلع (المسلمين في القرن الأفريقي والصومال) ، فكلهم يسارعون إليها طلباً للعلم والنصرة منها ، وذلك بعد سقوط "بغداد" في أيدي التتار سنة 656هـ ، وإنتقال مركز الثقل الإسلامي إلى القاهرة العاصمة المصرية، والتي أُعلن فيها عن عودة الخلافة العباسية في ظل دولة المماليك القوية ، وفى نفس الوقت كان اامسيحيين هم الحاكمين للحبشة ، وكان وجود المسلمين فيها تابعاً للمملكة الحبشية المسيحية التي كانت تُتابع عن قرب أوضاع المسيحيين في "مصر" الذين ينتمون لمِلَّتهم من "اليعاقبة". 

وكان ملوك الحبشة دائمى المطالبة  لسلاطين المماليك في 'القاهرة" بمعاملة النصارى في مصر بالحسنى ، وعدم التضييق عليهم ، أو التعرُّض لكنائسهم، وإلا تعرَّض المسلمون الأحباش إلى التعذيب والتنكيل ، ( رغم إحسان الدولة المصرية معاملة النصارى ) ، ولكنها لم تكن أكثر من عملية خبيثة لتغليف العداوة الحبشية لمصر والمسلمين ، وقد صدق الأحباش في تهديداتهم تلك حين لم تكن "مصر" تسمع لرسائلهم أو توصياتهم بخصوص المسيحيين في مصر بما ليس فيه تجنى أو إعتداء أو إجحاف لهؤلاء المسيحيين .

وهكذا ..........

أصبحت الحبشة ومنذ القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي - وملوكها يصعدون التهديد لمصر ،  فلأول مرة  يطلقون فى رسائل تهديداتهمكتلك الرسالة مثلاً :- ( نيل مصر الذي به قوام أمرها وصلاح أحوال ساكنيها مجراه من بلادي ، وأنا أسُدّه )  .!

فإستقبل سلاطين المماليك هذه الرسائل بإستهزاء وسخرية بسبب الفارق الكبير بين القوتين حينئذ ِ، حيث كانت سلطنة المماليك دولة عالمية لا يُدانيها في قوتها إلا دولة المغول ، ولم يكن الأحباش يجرؤون على مجاراتهم أو التمدُّد في مناطقهم .

ونشكركم ياسادة بالتهديد الذى أرسله ملك الحبشة إلى السلطان ( الناصر محمد بن قلاوون في مصر ) - يُهدِّده بقطع مياه النيل ، وإيذاء المسلمين في الحبشة ، إذا لم تتعامل القاهرة مع الأرثوذكس بصورة لائقة ، ولمَّا لم يتمكَّن "جبره"  من منع سريان النيل فى مجراه الطبيعى الذى خلقه الله ، فإنه نفَّذ تهديده بإضطهاد مسلمي الحبشة فعلاً ، الأمر الذي جعل "الناصر" يُصدر مرسوماً للبطريرك في "مصر" ، يطالبه بأن يرسل إلى ملك الحبشة كتاباً يأمره بالإقلاع عن إلحاق الأذى بمسلمي الحبشة ، وهو ما أمتثل له فرضخ له ملك الحبشة لأن "لأوامر البِطريرك عنده ما لشريعته من الحُرمة .

وهكذا بقى الصراع والتناحر فى الحبشة - من مسيحيى الحبشة ضد مسلميها ، فحين بلغ ملك الحبشة المسيحي أن السلطان المملوكي "برْسباي" قد قام بإغلاق  كنيسة القيامة ( بالقدس )، فما كان منه إلا أن صبَّ جام غضبه على رعاياه المسلمين من شعبه أبناء الحبشة ، فقتل الرجال وسبى النساء والأطفال ، وأغلق المساجد وقام بهدها ثم هاجم مملكة المسلمين المجاورة في "جبرت" فهزمها ، ونكَّل بأهلها جميعاً وفي سنة 833هـ/1430م حدث صدام بين المملكتين المسيحية والإسلامية بالحبشة ، كان النصر فيه في جانب المسيحيين الأقوياء ، حتى إنهم أسروا اثنين من أبناء ملك المسلمين .

أما عن أكثر ملوك الحبشة فى كره الإسلام ومصر والكيد لهما فهو يدعى( زرء يعقوب بن داود ) - عرف بقسوته الشديدة في إضطهاد المسلمين من شعبه في بلاده ، وكان أكثر كراهية لمصر عن سابقيه ، وقد فصل الكنيسة الحبشية عن الكنيسة المصرية وربطها بكنيسة روما ، حتى يضمن المساعدة الروحية للبابا ومساندة الدول الأوروبية له ،  ولهذا قد سمح له البابا بإقامة دير حبشي فعلاً في روما وبالفعل حقق إتمام التحالف الأوروبي الحبشي ، فأرسل رسالة إلى سلطان مصر حينها وهو "الظاهر جَقْمَق" ، وصلت إلى القاهرة في رجب سنة 847هـ/نوفمبر 1443م، يقول فيها :- ( ليس يخفى عليكم ولا على سلطانكم أن بحر النيل ينجرُّ إليكم من بلادنا ، ولنا الإستطاعة أن نمنع الزيادة التي تُروى بها بلادكم عن المشي إليكم ، لأن لنا بلاداً نفتح لها أماكن فوقانية يتصرَّف فيها إلى أماكن أُخر قبل أن تجيء إليكم ، ولا يمنعنا عن ذلك إلا تقوى الله تعالى والمشقة على عباد الله ، وقد عرضنا على مسامعكم ما ينبغي إعلامه، فاعلموا أنتم ما يلزمكم وبما يُلقي الله في قلوبكم ، ولم يبقَ لكم عذر تبدونه ) . 

كانت هذه الرسالة تكرارا لرسائل ملوك الحبشة المرسلة إلى مصر ، فكلها كانت من تلك النوعية واللهجة فى التهديد ، والتي دائماً ماكانت تتخذ من "النيل" ورقة للضغط على سياسة "مصر" والتدخل فى سيادتها وسياستها تجاه الأقليات ، وكان من الطبيعي جداً مع فارق القوة العسكرية والسياسية بين الدولتين ، أن يرفض السلطان "الظاهر"  ما جاء من إدعاء كاذب وإتهام مغرض لتحرير الوعيد والتهديد ، ولكنه قد رأى من حُسن السياسة ، ألا ينساق وراء عاطفة الغضب والتجاهل التى تستحقها الحبشة ، صيانة وضماناً لأمن مسلمي الحبشة المضطهدين ، فأرسل كتاباً إلى "زرء يعقوب" ، بصحبة سفيره "يحيى بن أحمد بن شادبك" معه هدية .

وكان فحوى الرسالة الدبلوماسية المصرية يكشف عن حقيقة  أسباب قيام "القاهرة" بما وصفه الحبشيون  بالتضييق على بناء الكنائس في ذلك الوقت ، مُبرِّرةً الأمر بكون "نصارى الديار المصرية قد كثر تعدّيهم وإستطالتهم في البناء وإحداث الكنائس (بدون تصريح من الدولة) .

ولم يقبل "زرء يعقوب" تبريرات السلطان "جقمق" ، وقرَّر منع السفير المبعوث له "يحيى بن أحمد" من العودة إلى "القاهرة" ، وفوق ذلك أمر بقتل أحد ملوك المسلمين الأحباش المأسورين لديه ، وهو الملك "شهاب الدين أحمد بِدْلاي" -  أمام السفير المملوكي "يحيى بن شادبك"  إمعاناً في إهانة المماليك، لكن بعد شد وجذب عاد السفير المملوكي إلى "القاهرة" بعد إحتجازه لأربع سنوات كاملة . 

وبهذه الصورة ظلَّت العلاقات السياسية متوترة بين البلدين -  حتى قرَّر السلطان قطع العلاقات الدينية بين الجانبين ، فاستدعى "جقمق"  بطريرك النصارى في "مصر " إلى مجلسه بحضرة القضاة الأربعة، ويذكر المؤرخ ابن إياس السبب من وراء هذا الإستدعاء فيقول شارحاً  ( فأمر بكتابة إشهاد عليه أنه لا يكتب إلى ملك الحبشة بنفسه ، ولا بوكيله لا ظاهراً ولا باطناً ، ولا يولّي أحداً في بلاد الحبشة لا قسيسا ولا أعلى منه ولا أدنى إلا بإذن من السلطان ، وأنه متى خالف ذلك إنتقض عهده وضُربت عنقه ) .

حينها كان  ( زرء ) يستعد لغزو الأراضي المملوكية ومنها بلاد "الحجاز" ، حيث وصل إلى "مصر"  قاضي سواكن (على ساحل البحر الأحمر في السودان حاليا) ، وأبلغ السلطان "جقمق"  أن ملك الحبشة أعدَّ أسطولاً مُكوَّناً من مئتي سفينة لغزو سواحل البلاد الحجازية ، فضلاً عما قرره من قطع النيل وتعويقه بحيث لا يصل لمصر ، وتكرَّر هذا الخبر مرة أخرى في شوال من العام نفسه؛ لكنّ كل هذه التهديدات لم يقع منها شيئ وفشلت في النهاية .

تلك هى جذور سد النهضة الذى حاولوا على مر العصور الوصول له للإضرار بمصر وتدميرها ، ولم يتمكنوا أبداً من ذلك إلا بتصنع وأشكاله يناير لإسقاط "مصر" تحت أساس سد النهضة .

ولكن كما ردعت قوة الدولة المصرية كل تهديدات ومحاولات الحبشة أوأثيوبيا عن تنفيذ تهديداتها على مر العصور والعهود ، واليوم مع بناء إثيوبيا للسد الذي يُهدِّد بتقليص حصة "مصر" من المياه ، نثق أن "مصر" ستردع أيضاً تلك المحاولة الت أثارت عن سد مقام بالفعل،  وأن المصريون سيواجهون فصلاً مُكرَّراً من كفاحهم الطويل للحفاظ على تدفُّق النيل ،لطالما نجحوا فيه وعن جدارة من أجل نيلهم الذي كان -وسيظل- شريان الحياة لهذا البلد العريق .
google-playkhamsatmostaqltradent