recent
عـــــــاجــــل

الدكتور الشربيني يكتب: فوضى وجاهة الألقاب المزيفة تنهش عقل الوطن.. والحل في التشريعات وسيف القانون

 

الدكتور الشربيني يكتب: فوضى وجاهة الألقاب المزيفة تنهش عقل الوطن.. والحل في التشريعات وسيف القانون

الدكتور الشربيني يكتب: فوضى وجاهة الألقاب المزيفة تنهش عقل الوطن.. والحل في التشريعات وسيف القانون


كتب ا.د. السيد الشربيني 

جامعة دمياط 

المسئول عن اخبار الجامعات المصرية 



حين يتسلل الجهل إلى محراب العلم مرتدياً رداء الأكاديمية، وتُباع صكوك الدكتوراه في أسواق المزايدات الرخيصة كبضاعة كاسدة على أرصفة الطرقات، فنحن لا نعيش مجرد فوضى عابرة، بل نشهد خطراً يقتلع جذور الوعي الثقافي من أعماق المجتمع! لقد تحول المشهد العام إلى ما يشبه حفلة تنكرية كبرى؛ استيقظنا فيها لنرى سيلًا جارفًا من دكاترة بلا علم، ومستشارين بلا قانون، وإعلاميين بلا أقلام؛ جمعيات وهمية ومؤسسات للتربح فتحت أبوابها لبيع وجاهة الألقاب المزيفة لمن يدفع، لتجد شخصًا بمؤهل متدنٍ يجلس على عرش الدكتوراه الفخرية في ساعتين، وآخر لم يقرأ كتابًا في حياته يتصدر منصات صياغة قرار الأمة بصفته خبيراً ومفكراً!.


إن هؤلاء الأدعياء كالفراشات الزائفة التي تعشق الأضواء لتخفي خلفها عورات الجهل، يتسللون إلى مفاصل المجتمع ليسرقوا هيبة العلماء الحقيقيين ويسلبوا العلم وقاره ونبله؛ إننا لا نواجه مجرد تجارة لشهادات وهمية لا قيمة لها، بل هي قنابل موقوتة تنهش في هوية وثقافة البلاد، وتصنع نخبة هشة تنهار وتنكشف عند أول اختبار حقيقي للوعي، وتسعى لقيادة سفينة الوطن نحو قاع العبثية والسطحية؛ فكيف تحول صك العلم إلى تجارة رابحة تُدار علانية أمام الجميع؟ وكيف سمحنا لأدعياء المعرفة أن يتصدروا المنابر الثقافية ويتقدموا الصفوف ليتحدثوا في مصير الأمة؟ إن هذا الطرح الشامل لتفكيك أبعاد هذه الأزمة ومواجهة هذا الخطر الذي يهدد عقل الوطن وثقافته، ولتكن التشريعات وسيف القانون هما الحل لإنهاء هذا العبث وتطهير المجتمع من آثار هذه الظاهرة.


تواجه الدولة المصرية فوضى الألقاب عبر ترسانة نصوص قانونية متفرقة يسهل الالتفاف عليها، حيث تعاقب المادتان 155 و157 من قانون العقوبات بالحبس كل من تداخل في وظيفة عمومية أو حمل لقب شرف دون حق، بينما يواجه القضاء ثغرة "التكييف القانوني"؛ فالكيانات الوهمية لا تمنح شهادات رسمية تندرج تحت التزوير المادي، بل تبيع شهادات "تقديرية ونفسية" تُخرجها من دائرة التزوير إلى جنحة النصب والمادة 336 التي تتطلب إثبات طرق احتيالية معقدة، فى حين نجد قانون تنظيم الجامعات المصري رقم 49 لسنة 1972 ولائحته التنفيذية يضعان سياجاً حاسماً يحصر منح الدرجات العلمية الماجستير والدكتوراه الأكاديمية أو الدكتوراه الفخرية في الجامعات المصرية الخاضعة للمجلس الأعلى للجامعات وبموافقة رسمية من رئيس الجمهورية كتقدير استثنائي للشخصيات العامة.


وجدير بالذكر في هذا الصدد، أن الأستاذ الدكتور الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الأسبق، كان قد أصدر كتاباً دورياً صارماً حظر بموجبه منح أو استخدام هذه الألقاب والدكتوراه إلا لمن حصل عليها فعلياً من إحدى الجامعات المصرية المعترف بها من المجلس الأعلى للجامعات، وذلك لقطع الطريق على الأدعياء في استخدامها بالمكاتبات والمنشآت ومع ذلك، تكمن الثغرة الكبرى في خلو هذا القانون من نصوص جنائية صريحة ومغلظة تُجرم تقليد هذه الإجراءات الأكاديمية الرفيعة من قِبل الشركات المدنية أو الجمعيات الأهلية مجهولة الهوية التي تستغل ثغرة بنود التدريب والتنمية البشرية الممنوحة لها لتنظيم حفلات فندقية وتوزيع صكوك علمية زائفة لا تعترف بها الدولة، مما يضع جهات إنفاذ القانون أمام معضلة تداخل الاختصاصات الإدارية وغياب العقوبة الجنائية الرادعة لمنع هذه الكيانات من بيع هيبة الجامعة الرسمية في مزادات علنية.


ولسد الثغرات القانونية الحالية، يقترح صياغة مشروع قانون خاص يسمى قانون حماية الألقاب الأكاديمية والمهنية وصون الهوية المجتمعية، ويتضمن المواد التالية:


المادة (1): تعريف الألقاب المحمية "تعتبر ألقاب دكتور، مستشار، سفير، إعلامي، خبير ألقاباً محمية بقوة القانون؛ لا يجوز لأي شخص طبيعي استخدامها علناً، أو في المراسلات، أو على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا إذا كانت صادرة عن جامعة مصرية أو أجنبية معادلة من المجلس الأعلى للجامعات، أو الهيئات القضائية والدبلوماسية الرسمية، أو النقابات المهنية المعنية".


المادة (2): تجريم منح الألقاب من غير ذي صفة "يُعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن 3 سنوات، وبغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تزيد عن مليوني جنيه، كل من أنشأ أو أدار جمعية، مؤسسة، شركة، أو مركزاً، يقوم بمنح شهادات دكتوراه (أكاديمية أو فخرية)، أو صكوك سفراء، أو كارنيهات بلقب مستشار أو إعلامي. وتُضاعف العقوبة إذا كان الكيان غير مرخص، مع غلق المقر ومصادرة الأدوات والأموال المتحصلة من الجريمة".


 المادة (3): عقوبة مستخدم اللقب الزائف "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد عن 200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من حمل أو لَقَّبَ نفسه علناً أو عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بأي من الألقاب المحمية الواردة في المادة (1) دون سند قانوني، وتعتبر الجريمة ظرفاً مشدداً إذا استغلت الصفة الزائفة لتحقيق كسب مادي أو أدبي".


المادة (4): المسؤولية التضامنية لوسائل الإعلام والفنادق"تلتزم كافة القنوات التلفزيونية، الصحف، والمواقع الإخبارية بالتحقق من المستندات الرسمية لضيوفها قبل إضفاء أي لقب علمي أو مهني عليهم. يعاقب رئيس تحرير الوسيلة أو المسؤول عن البث بغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه في حال المخالفة؛ كما تحظر الفنادق وقاعات الحفلات استضافة أي فعاليات تكريم ومنح ألقاب دون إخطار مسبق وموافقة كتابية من وزارتي التعليم العالي والتضامن الاجتماعي، وتُعاقب المنشأة المخالفة بالإغلاق الإداري لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر".


إن قيمة الأمم العظيمة هي عقول علمائها، وهيبتها تُصنع بمداد باحثيها لا بالشهادات المزيفة المشتراة؛ ومواجهة هذه الفوضى العارمة لم تعد ترفاً فكرياً أو رفاهية أخلاقية، بل هي معركة وجود وصيانة للأمن القومي الثقافي؛ إن ترك الحبل على الغارب لهذه الكيانات الوهمية لتنهش في جسد الوعي المصري، هو بمثابة انتحار جماعي لمعايير الكفاءة والاستحقاق؛ فلم يعد كافياً أن نسخر من هؤلاء الأدعياء عبر منصات التواصل، بل يجب أن تتحرك الترسانة القانونية والتشريعية لتنهي هذه التجارة الفاسدة من جذورها، وتغلق مقرات النصب الإداري، وتطهر الشاشات من مساحيق الوجاهة الزائفة؛ إما أن ننحاز للعلم والعلماء ونعيد للدكتوراه' هيبتها وللقضاء والمحاماة والإعلام قدسيتها، وإما أن ننحاز لترك المجتمع يغرق في جهلٍ مركب، تتسيد فيه السطحية والجهالة، ويُساق فيه الوعي العام برعاية أدعياء بلا وعي، ودكاترة بلا تعليم!

google-playkhamsatmostaqltradent