التقويمات الفلكية والأبعاد الثقافية
صادف الأول من شهر فبراير الجاري رأس السنة القمرية الجديدة وفقًا للتقويم الصيني، ويُعرف هذا اليوم أيضًا بـ"عيد الربيع"، ويُعد من أهم الأعياد السنوية في الصين وعدد من دول العالم؛ حيث يحتفل به أكثر من مليار شخص حول العالم. ولعل هذا الحدث الضخم يثير الانتباه بشأن تعدد التقويمات الفلكية حول العالم، والتي لا تزال متأصلة في وجدان العديد من الشعوب.
حيث نجد أنفسنا بصدد عدد ضخم من التقويمات الفلكية وهي: التقويم الميلادي، والتقويم الروماني، والتقويم الإسلامي الهجري، والتقويم العبري أو اليهودي، بالإضافة إلى التقويم الصيني، والتقويم الفارسي، وكذا الأمازيغي.
ورغم اعتبار التقويمِ الميلادي التقويمَ الفلكي الأكثر اعتمادًا من قِبل غالبية دول العالم، لكن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والتاريخية والسياسية المرتبطة بالتقويمات سالفة الذكر تظل حاضرة في وجدان وأذهان الشعوب، ويتجلَّى ذلك في استمرار احتفالات تلك الشعوب بتقويماتها الفلكية.
ونسلط الضوء في هذا المقال على مفهوم التقويم الفلكي، ومختلف أنواع هذا التقويم من قبيل التقويم الميلادي، والتقويم الروماني، والتقويم الإسلامي الهجري، وغيرها من التقويمات؛ وذلك بتناول جذورها التاريخية وأبعادها الثقافية والاجتماعية والتاريخية والسياسية، ويتطرَّق العدد بشكل خاص لبداية العام الصيني الجديد أو الذي يُعرف بعام "النمر" باعتباره من أهم الأعياد السنوية في الصين وعدد من دول العالم، فضلًا عن "عيد النيروز" أو "السنة الفارسية الجديدة"، والذي قامت منظمة اليونسكو في عام 2016 بإدراجه على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وذلك بوصفه تقليدًا تحتفل به الكثير من بلدان وشعوب العالم على مدار الثلاثة آلاف عام الماضية.
- هذا، وتُعد السنة القمرية الجديدة أحد أهم الاحتفالات السنوية في الصين وكذلك بين ثقافات شرق وجنوب شرق آسيا، مثل: فيتنام وكوريا؛ حيث يتم الاحتفال بالعام الجديد لعدة أيام متصلة، في حين تختلف كل ثقافة في طبيعة ومراسم الاحتفالات بالعام الجديد.
- ولا تقتصر الاحتفالات بالعام الصيني على الدول الآسيوية فحسب، بل تنتشر في أنحاء العالم؛ نظرًا لانتشار الصينيين في العديد من مدن العالم، ومنها: سيدني ولندن وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس، وفي هذا الإطار، تتحول المعالم الشهيرة حول العالم، مثل: برج طوكيو وعين لندن، إلى اللون الأحمر احتفالًا بالعام الصيني الجديد.
- وتجدر الإشارة إلى أن نحو 20٪ من سكان العالم يحتفلون بالسنة الصينية الجديدة.
دلالات السنة الصينية الجديدة 2022.. تاريخ ومظاهر الاحتفال بها
سلَّط تقرير لصحيفة "ذا واشنطن بوست" الضوء على بداية العام الصيني الجديد Chinese New Year أو ما يُطلق عليه "العام القمري الجديد" (Lunar New Year) أو "عام الربيع"، والذي صادف يوم الثلاثاء 1 فبراير 2022، ويُعرف بعام "النمر"، ويُعَد من أهم الأعياد السنوية في الصين وعدد من دول العالم؛ حيث احتفل أكثر من مليار شخص حول العالم به؛ لا سيَّما في مُعظم دول شرق آسيا مثل كوريا (الشمالية والجنوبية) وفيتنام وسنغافورة، فضلًا عن الجاليات الصينية في جميع أنحاء العالم. وفيما يلي أبرز ما جاء في التقرير:
- أكَّد التقرير أن الجذور التاريخية لنشأة السنة الصينية تؤول بصفة رئيسة إلى أحد الأساطير القديمة، التي تشير إلى أن وحشًا اسمه "نيان" (أي "السنة" باللغة الصينية) كان يُهاجم الناس في القرى والمدن في بداية كل عام، ونظرًا لأن "نيان" كان يخاف من الضوضاء العالية واللون الأحمر، استخدم الناس الألعاب النارية واللون الأحمر لتخويف هذا المخلوق الأسطوري.
- وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى ارتباط هذا العيد بالعديد من الطقوس الثقافية المُستمدة من الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية، بالإضافة إلى الأساطير القديمة والتقاليد الشعبية (من أبرزها رقصات التنين التي تهدف إلى طرد الأرواح الشريرة)، هذا فضلًا عن مظاهر الاحتفال العصرية.
- وفيما يخص موعد بدء السنة الصينية الجديدة، لفت التقرير الانتباه إلى أنه يتم تحديدها وفقًا للتقويم القمري، ومن ثمَّ تبدأ في تواريخ مختلفة كل عام، وقد وافقت ليلة رأس السنة هذا العام يوم 31 يناير، وبدأ العام الجديد في 1 فبراير.
- وفي هذا السياق، تطرَّق التقرير إلى نظام الأبراج الصينية؛ حيث يشمل 12 برجًا تحمل أسماء بعض الحيوانات، وهذا العام هو عام النمر، ويُقال إن الأشخاص المولودين في هذا العام يتمتعون بالقوة والحزم والشجاعة والإلهام، أو بالعدوانية والغرور والرغبة في لفت الانتباه.
-كما نوَّه التقرير بأن دورة الأبراج تبلغ مُدتها 12 عامًا، وقد مثّلت الأعوام التالية عام النمر، وهي: 2010 و1998 و1986 و1974 و1962 و1950 و1938. وجدير بالذكر أن العام الماضي كان عام الثور.
وحول مراسم الاحتفال بالسنة الصينية الجديدة، أشار التقرير إلى أن ثمَّة مظاهر شائعة للاحتفال بالسنة الصينية الجديدة والتي تتعلق بتجمع الأصدقاء والعائلات، غير أن تلك التجمعات شهدت انحسارًا واضحًا في الآونة الأخيرة جراء تفشي جائحة كورونا، وتتمثَّل أبرز مظاهر الاحتفال فيما يلي:
توزيع الأظرف أو المغلفات الحمراء (Red envelopes) والمعروفة باسم "hong bao" والتي يتم وضع النقود داخلها ويُقدمها الكبار للأطفال الصغار كهدايا.
ارتداء اللون الأحمر، وتعليق الزخارف والزينة الحمراء والذهبية، والتي تُشير إلى الحظ السعيد.
إطلاق الألعاب النارية، والتي يعتقد الصينيون أنها تطرد الأشباح والحظ السيئ، ويترافق مع ذلك انطلاق المسيرات الكبيرة التي تشهد مظاهر الرقص وارتداء أزياء الأسود والتنين (costumes of lions and dragons).
كما برزت مؤخرًا بعض مظاهر الاحتفال العصرية، والتي تمثَّلت في إعلان شركة Mattel المتخصصة في صناعة الدمى "باربي" عن إطلاق أول دمية باربي للسنة القمرية الجديدة.
وختامًا، أفاد المقال أنه قد تمخض عن التدابير الاحترازية لمجابهة جائحة كورونا طرقًا جديدة للاحتفال، فبدلًا من تقديم المغلفات (المظاريف) الحمراء التي تحتوي على النقود لجأ الكثير إلى إرسال الأموال والهدايا عبر الإنترنت، كما انحسرت مسيرات الاحتفال وشهدت المدن هدوءًا، تطبيقًا لسياسات التباعد الاجتماعي، واعتمد بعض الأشخاص على التجمع عبر منصات الزوم ومحادثات الفيديو للتواصل مع الأقارب والأصدقاء.
كيف تحتفل الدول برأس السنة الفارسية الجديدة
سلَّط تقرير لموقع "ناشيونال جيوجرافيك" الضوء على إعلان الأمم المتحدة يوم 21 مارس من كل عام يومًا عالميًّا للاحتفال بعيد النوروز (Nowruz) أو "عيد النيروز" أو " السنة الفارسية الجديدة" (Persian New Year)، وذلك للاحتفال باليوم الأول من الربيع وتجدُّد العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وفيما يلي أبرز ما جاء في التقرير:
- أشار التقرير إلى تسجيل عيد النيروز في عام 2016 على قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وذلك بوصفه تقليدًا يحتفل به الكثير من البلدان والشعوب على مدار الثلاثة آلاف عام الماضية.
- هذا وأوضح المقال أن كلمة النيروز أو النوروز تعني: "يوم جديد" بالفارسية، وترمز إلى بداية الربيع والتغلب على الحزن، وهو اليوم الأول في التقويم الفارسي، والذي يصادف وقت الربيع (يصادف عادة 20 أو 21 مارس)، مُضيفًا أن جذوره تعود إلى الديانة الزرادشتية، وهي من أقدم الديانات التوحيدية في العالم، ويعود تاريخها إلى 3000 عام.
- ولفت المقال إلى مُشاركة نحو 300 مليون شخص حول العالم في الاحتفال بهذا العيد في مارس من كل عام؛ حيث يحتفل العديد من البلدان بهذا العيد، وعلى رأسها إيران فضلًا عن أذربيجان، وأفغانستان، وبلدان أخرى عبر آسيا الوسطى، وجالياتها في جميع أنحاء العالم.
- وفي هذا السياق، تطرَّق المقال إلى اختلاف الدول في بعض مظاهر وتقاليد الاحتفال به، الأمر الذي يعود في الأساس إلى الخصوصية الثقافية لكل دولة، ففي إيران يُمثَّل يوم النوروز أهم عُطلة في البلاد، ويشهد هذا اليوم إضاءة الشوارع وإطلاق الألعاب النارية، فيما يُسمى "الاحتفال الأحمر" تكريمًا لكل شيء "ناري"، والذي يعتقد الزرادشتيون أنه رمز للنقاء. وتحتفل أفغانستان بطريقة مماثلة لجيرانها، خاصة في الشمال، لا سيَّما مقاطعة بلخ التي يعتقد البعض أنها الموطن الروحي لـ "نوروز"، ويتوجه آلاف الأفغان إلى مدينة مزار شريف في إقليم بلخ لحضور مهرجان "جولي سورخ"، والذي يشهد إحياء لذكرى الأربعين يومًا الأولى من العام، عندما تغمر السهول الخضراء بأزهار التوليب الحمراء.
- وفي آسيا الوسطى يتم الاحتفال بعيد النوروز في كازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، وتتميز الاحتفالات في جميع أنحاء المنطقة بخصائص متشابهة، وتتضمن الكثير من الطعام والتجمعات العائلية ومهرجانات الشوارع الملونة.
- وبالنسبة للمُجتمعات الكردية، يحتفل بعيد النوروز نحو 30 مليون كردي في أنحاء العراق وتركيا وسوريا، فضلًا عن الأكراد في إيران، وهذه العطلة لا ترمز إلى بداية العام الجديد فحسب، بل ترمز أيضًا إلى الحرية للشعب الكردي.
وختامًا، أشار التقرير إلى أن ثمَّة أقليات أخرى حول العالم تحتفل بعيد النوروز، ومن أبرزها: الإويجور في الصين، والليزجون والتتار في جنوب روسيا، فضلًا عن الأقليات في أجزاء من البلقان ومنغوليا وباكستان وبنجلاديش.