تداعيات الأزمة الأوكرانية على محادثات فيينا
في خضم المراحل الأخيرة من محادثات فيينا بين إيران والقوى الدولية بشأن استعادة الاتفاق النووي الإيراني، شهدت الجولة الثامنة من المفاوضات انفراجة كانت تُبشر بوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، والعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (Joint Comprehensive Plan Of Action) "JCPOA" بعد ما يقرب من 11 شهرًا من المداولات، ولكن جاءت الأزمة الأوكرانية كحجر عثرة في طريق التوصل إلى اتفاق نهائي؛ حيث ألقت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو بظلالها على المفاوضات، وأفضت إلى تعثرها وتوقفها، إذ أعلن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" (Josep Borrell)، في 11 مارس الجاري، توقف محادثات فيينا بسبب عوامل خارجية، وذلك بعد أن "هدّدت مطالب روسية بعرقلة المفاوضات المكتملة إلى حدٍ كبير".
وتتمثَّل المطالب الروسية في الحصول على جُملة من الضمانات التي تتضمن عدم تأثير العقوبات الغربية المفروضة عليها -جراء عمليتها العسكرية في أوكرانيا- على نظام العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية المشمولة بخطة العمل الشاملة المشتركة، والتعاون العسكري والتقني مع إيران، كما حذَّر وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" (Sergey V Lavrov) من أن العقوبات الغربية الأخيرة ضد روسيا قد تقوِّض مفاوضات فيينا إذا لم يتم إقرار استثناءات للتجارة بين روسيا وإيران. ومن جانبها، رفضت الولايات المتحدة الأمريكية المطالب الروسية، وأكَّد وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكين" (Antony J. Blinken) أن العقوبات التي فُرضت على روسيا لا علاقة لها بالاتفاق النووي الإيراني، ومن ثمّ فإن المطالبات الروسية ليست ذات صلة بمحادثات فيينا.ئئئ
وفي هذا الإطار، أكَّد بعض المراقبين أن المطالب الروسية تأتي انطلاقًا من مخاوف موسكو من رفع العقوبات المفروضة على إيران عند التوصل إلى اتفاق نووي جديد، لا سيَّما رفع القيود المفروضة على مبيعات النفط الإيرانية، الأمر الذي يُنذر بتضاؤل الاعتماد العالمي على مصادر الطاقة الروسية التي تخضع لعقوبات غربية في الوقت الراهن؛ إذ يمكن لطهران إنتاج أكثر من مليوني برميل من النفط يوميًا، هذا فضلًا عن أنه في حال وصول الإمدادات الإيرانية إلى السوق العالمية، فمن المرجَّح انخفاض أسعار النفط التي شهدت ارتفاعًا واضحًا منذ بدء الأزمة الأوكرانية.
هذا، وقد أثارت المطالب الروسية استياء المسؤولين الإيرانيين؛ إذ أكَّد وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان" عقب الإعلان عن توقف المفاوضات، أن طهران لن تسمح "لأي عناصر أجنبية بتقويض مصالحها الوطنية"، علاوةً على ذلك، كانت هناك ردود أفعال غاضبة لدى الأوساط الإيرانية المختلفة؛ حيث اتهم كثيرون موسكو باستخدام طهران كأداة للضغط على الغرب، ودعوا إلى محادثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في فيينا.
ورغم ردود الفعل تلك، فإن تغيرًا لافتًا طرأ على موقف طهران لصالح روسيا، اتضحت ملامحه من خلال تعليقات المسؤولين الإيرانيين، حيث أكَّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "سعيد خطيب زاده" أن محادثات فيينا تسير في الاتجاه الصحيح، وأنه لا ينبغي تقييد التعاون النووي السلمي الإيراني أو تأثره بأي عقوبات، بما في ذلك التعاون مع الصين وروسيا، وألقى باللوم على واشنطن في تأخير إتمام الصفقة، موضحًا أن إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بحاجة إلى اتخاذ بعض "القرارات السياسية" قبل استئناف المحادثات، مضيفًا: "لسنا على وشك إعلان اتفاق".
وفي هذا الإطار، توجَّه وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان" لزيارة العاصمة الروسية موسكو، في 15 مارس الجاري، ورغم عدم الإعلان عن الملفات المُدرجة على جدول أعمال الزيارة، فإن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أكَّد في إيجازه الأسبوعي أن "عبد اللهيان" سيسافر إلى روسيا "بأجندة محددة" لمناقشة التطورات في فيينا، دون التطرُّق لمزيد من التفاصيل، مشيرًا إلى أنه يتعيَّن مناقشة المطالب الروسية بالحصول على ضمانات مكتوبة من الولايات المتحدة الأمريكية في أروقة اللجنة المشتركة لخطة العمل الشاملة المشتركة.
وفي هذا الشأن، يرى بعض المحللين السياسيين أن توقيت زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى موسكو يُشير إلى أن طهران قد أخذت المطالب الروسية "بشيء من الجدية"، علاوةً على ذلك، فإنه يؤكَّد رغبة إيران في عدم استعداء روسيا، ولضمان عدم الإضرار بمصالح إيران.
وتجدر الإشارة إلى العلاقات الوثيقة بين موسكو وطهران على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، هذا فضلًا عن الدور المحوري الذي قامت به روسيا في التفاوض بشأن الاتفاق النووي وخطواته التطبيقية، وفي مقدمتها نقل اليورانيوم المخصّب من طهران إلى أراضيها، ودعم برنامج طهران النووي المدني، وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت دولة أخرى لديها استعداد لنقل واستقبال اليورانيوم بدلًا من روسيا، ولكن أشار مراقبون إلى أنه يمكن لفرنسا أو بريطانيا، وكلاهما دولتان نوويتان، أن يحلا محل روسيا في هذا الصدد.
وفي ضوء المخاوف المحدقة بقرب امتلاك إيران قنبلة نووية -حيث إنها تمكّنت من تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، وهي النسبة المطلوبة للأغراض العسكرية ولصنع قنبلة نووية- باتت العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الآن أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، هذا فضلًا عن أن الأزمة الأوكرانية تُحتم على المعسكر الغربي وفي صدارته الولايات المتحدة الأمريكية الإسراع في العودة للاتفاق، لجُملة من الأسباب يمكن رصد أبرزها فيما يلي:
أولًا: تخوف الدول الغربية من أن تستخدم موسكو محادثات فيينا كأداة للضغط عليها في الأزمة الأوكرانية، وذلك عبر وضع عقبات تحول دون التوصل إلى اتفاق.
ثانيًا: تسعى الإدارة الأمريكية إلى إحراز نجاح دبلوماسي لسياستها الخارجية عبر حل الملف الإيراني، وتقويض الانتقادات التي وُجهت إليها في أعقاب الأزمتيْن الأفغانية والأوكرانية، خاصة مع اقتراب إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
ثالثًا: إن التوصل لاتفاق مع إيران في ختام المحادثات سيسمح للغرب بالتركيز على مواجهة روسيا.
رابعًا: إن فشل المحادثات النووية واستمرار العقوبات على طهران من شأنه أن يدفع الأخيرة إلى التقارب مع موسكو التي قد تقوم بإسقاط العقوبات على إيران لإقامة علاقات أوثق معها، بما يتناقض مع مصلحة المعسكر الغربي.
خامسًا: إن رفع العقوبات عن طهران بموجب التوصل إلى اتفاق سيسمح لها بالعودة إلى سوق النفط العالمي، ومن ثمّ خفض أسعار النفط التي شهدت ارتفاعًا واضحًا منذ بدء الأزمة الأوكرانية.
هذا، وتستبعد تقديرات المراقبين أن تقوِّض روسيا فرص التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والقوى الغربية بصورة نهائية؛ حيث إن روسيا لديها مصالح خاصة في ضمان عدم قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي، ومن ثمّ، فإن موسكو لا تستهدف سوى إطالة أمد المفاوضات بما يخدم مصالحها، ويمنحها نفوذًا متزايدًا على الغرب.
وختامًا، فإن معوقات العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني لا تقتصر على الأزمة الأوكرانية فحسب، وإنما هناك جُملة من القضايا العالقة بين الطرفين والتي تستلزم قرارات سياسية صعبة لكليهما، لا سيَّما ما يتعلق بنطاق العقوبات المتبقية على إيران، كما أن التوترات المتصاعدة بين طهران وواشنطن على خلفية هجوم أربيل الذي أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عنه، تُنذر بتأجيل المفاوضات، هذا فضلًا عن المخاوف بأن تؤدي المفاوضات المنفصلة والمستمرة بشأن عودة الأمريكيين المحتجزين لدى إيران إلى تقويض فرص التوصل إلى اتفاق نهائيًا.