recent
عـــــــاجــــل

الصين تفرض إغلاقًا تامًّا على بعض المدن.. فما التداعيات الاقتصادية لهذا القرار؟

 


الصين تفرض إغلاقًا تامًّا على بعض المدن.. فما التداعيات الاقتصادية لهذا القرار؟

 






























 " لا شكّ في أنَّ كوفيد-19سيعيد تشكيل العالم، ونحن لا نعرف متى ستنتهي هذه الأزمة، لكنّنا نعرف جيّدًا أنَّ العالم سيكون مختلفًا على إثرها".

                     جوزيف بوريل، الممثل السّامي للاتحاد الأوروبي ونائب رئيسة المفوضية الأوروبية

 



بالرغم من مرور عامين على بداية ظهور فيروس كوفيد-19 وما تبعه من فرض إجراءات الإغلاق في معظم دول العالم، ما زالت الجائحة تؤثر على اقتصاديات العديد من الدول، ولعل أبرزها: الصين. وفي الوقت الذي تحاول فيه الدول العودة إلى الحياة الطبيعة والتعايش مع الفيروس، تقوم الصين حاليًّا باتباع نهج "صفر إصابات كوفيد" وتفرض إغلاقًا تامًّا على عدد من المدن الصينية، أهمها مدينة شنغهاي. وقد كان لقرار الصين بفرض إجراءات الإغلاق تداعيات اقتصادية سواء على الاقتصاد المحلي أو على الاقتصاد العالمي؛ فبالنسبة للتداعيات الاقتصادية على الاقتصاد المحلي، ارتفعت أسعار بعض السلع في الصين، وتوقف العمل في المصانع، وتراجع الطلب المحلي على إثر فرض إجراءات الإغلاق. أما على صعيد الاقتصاد العالمي، تشكل الأزمة ضغوطًا على سلاسل الإمداد العالمية؛ وذلك لتأخر شحن السلع ومكونات الإنتاج من الصين إلى باقي دول العالم، كما ارتفعت أسعار الشحن؛ مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الصادرات الصينية، وما يتبعه من ارتفاع التضخم العالمي؛ إذ إن الصين هي أكبر الدول المصدرة على مستوى العالم.


قيود الإغلاق توجه ضربة للاقتصاد الصيني


تشهد الصين حاليًّا أسوأ تفشي لجائحة كوفيد-19 منذ 2020؛ مما دفعها إلى فرض قيود صحية على عدد من المدن الصينية أهمها شنغهاي، والتي تعد العاصمة المالية للصين؛ حيث سجلت مدينة شنغهاي أعلى عدد يومي للإصابات منذ بداية الجائحة؛ إذ وصل عدد الإصابات في المدينة، يوم 5 أبريل، إلى نحو 17077 حالة، متخطيًا أعلى عدد لحالات الإصابة اليومية؛ والذي بلغ نحو 13436 حالة في مدينة ووهان، في 12 فبراير 2020. وفي أواخر فبراير، حاولت شنغهاي السيطرة على تفشي المرض من خلال فرض إغلاق جزئي في بعض المناطق، إلا أنه سرعان ما زادت معدلات انتشار الفيروس؛ ما دفع المسؤولين، في أواخر مارس، إلى فرض إغلاق على مرحلتين على جميع المناطق، وأجبر السكان في المدينة على عدم مغادرة منازلهم. وتجدر الإشارة إلى أن مدينة شنغهاي هي مدينة ذات ثقل اقتصادي؛ حيث إنها محور رئيس للصناعة المالية، ومركز للإلكترونيات وتصنيع السيارات، وموطن للعديد من الشركات متعددة الجنسيات. كما أنها تملك أكثر مواني الشحن ازدحامًا في العالم؛ لذا فإن قيود الإغلاق في المدينة كان لها تأثير بالغ على الاقتصاد.


  شكل هذا الإغلاق ضغطًا على الاقتصاد الصيني، وسرعان ما ظهرت انعكاساته السلبية؛ حيث انخفض الطلب بشكل عام، وشهدت الواردات السلعية تباطؤًا في مارس. ولعل أكثر الواردات تضررًا هو الغاز الطبيعي المسال؛ حيث انخفضت واردات الصين من الغاز المسال إلى أقل من 8 ملايين طن، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2020، بالإضافة إلى ذلك انخفضت واردات النفط الخام والفحم.


بجانب انخفاض الواردات، شهدت أسعار الغذاء ارتفاعًا ملحوظًا، فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار الخضراوات إلى 17.2% على أساس سنوي. هذا وقد تشكل الأزمة تهديدًا على قدرة الصين على تحقيق الأمن الغذائي من الحبوب؛ حيث تفرض قيود الإغلاق تعقيدات على موسم الزراعة الربيعي في الصين، ويواجه المزارعون قيودًا تمنعهم من غرس البذور وحرث الحقول في بعض أجزاء الشمال الشرقي حيث يتم إنتاج أكثر من خُمس إنتاج الصين من الحبوب.

الصين تفرض إغلاقًا تامًّا على بعض المدن.. فما التداعيات الاقتصادية لهذا القرار؟


 

بجانب انخفاض الواردات، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تأثر قطاع التصنيع بشدة جراء الإغلاق؛ حيث انكمش القطاع في شهر مارس وفقًا لاستطلاعات مديري المشتريات، وكانت الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثرًا؛ حيث انخفض مؤشر "كايشين" إلى أدنى مستوى له منذ بداية الجائحة. كما تأثر الإنتاج في عدد من الصناعات المختلفة؛ ففي مجال الطاقة المتجددة، تضررت شركات الطاقة الشمسية؛ حيث توقف إنتاج الرقاقات في بعض المصانع في مدينة شنغهاي؛ مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، كما تأثر إنتاج الألواح وتركيباتها.

 

 

الصين تفرض إغلاقًا تامًّا على بعض المدن.. فما التداعيات الاقتصادية لهذا القرار؟

وفي مجال صناعة السيارات، تتعرض شركات إنتاج السيارات لضغوط ضخمة؛ حيث تراجع الطلب على السيارات بنسبة 10.9% مقارنة بالشهر الماضي. ولا يُعد تراجع الطلب هو العائق الوحيد الذي يواجه شركات؛ إذ إن عمليات الإغلاق دفعت عددًا من الشركات إلى تعليق إنتاجها هذا الشهر، مثل: "فولكس فاجن"، وشركة "نيو"، كما قامت شركة "روبرت بوش" بإغلاق مصنعين وتشغيل أنظمة "الحلقة المغلقة" في مصنعين آخرين.


وفي قطاع التكنولوجيا أوقفت بعض شركات التكنولوجيا إنتاجها نتيجة لسياسات الإغلاق؛ حيث جمدت غالبية الشركات الكبرى المصنعة للتكنولوجيا إنتاجها في الأيام الأولى من تفشي الوباء في مدينة شنغهاي، ومن هذه الشركات: Semiconductor Manufacturing International Corp، Taiwan Semiconductor Manufacturing، Foxconn Technology Group    المصنعة لأجهزة "آيفون. وقد استأنفت شركات كثيرة أنشطتها منذ ذلك الحين بعد إنشاء أنظمة "الحلقة المغلقة". وتواجه شركات الإلكترونيات أزمة فيما يتعلق بشحن المكونات؛ حيث يعاني العديد منها من استنزاف المخزونات؛ وذلك نتيجة للاختناقات اللوجستية التي تقيد شحنات المكونات. فيما أصبحت مخزونات العديد من الشركات المصنعة، مثل: Pegatron، Wistron، Compal Electronics، كافية لأسابيع فقط. هذا ويمكن أن تتفاقم أزمة الإمدادات العالمية المستمرة إذا اضطرب التصنيع المحلي، ما سيضغط على مخزون أجهزة الكمبيوتر، ووحدات التحكم في الألعاب، وصولًا إلى الهواتف الذكية، والخوادم، والسيارات الكهربائية.


بجانب تضرر قطاع الصناعة وإلكترونيات، يواجه قطاع البناء ضغوطًا؛ حيث تراجعت المبيعات المحلية للحفارات الشهر الماضي بنسبة 64% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وتُعد مبيعات الحفارات مؤشرًا رئيسًا للبناء. وفي السياق ذاته، شهدت أكبر 100 شركة عاملة في قطاع البناء تراجعًا في مبيعاتها بنسبة 53% مقارنة بالعام السابق.

 

مساعي حكومية لإنعاش الاقتصاد


الصين تفرض إغلاقًا تامًّا على بعض المدن.. فما التداعيات الاقتصادية لهذا القرار؟



في ضوء التحديات التي يواجها الاقتصاد الصيني، ناشدت الحكومة الصينية البنوك بتخفيض المدفوعات التي تقدمها للمدخرين على الودائع كافة باختلاف آجالها، أي تخفيض الفوائد على الودائع. وتم إرسال الطلب للمقرضين عن طريق ما يُسمّى "آلية الانضباط الذاتي لسعر الفائدة"، والتي يشرف عليها البنك المركزي الصيني. وعلى الرغم من أن الطلب ليس إلزاميًّا، فإن تنفيذ الطلب يعزز من تقييم المقرضين الذي يقوم به "بنك الشعب" الصيني ضمن تقييمه الربع سنوي.


بالإضافة إلى ذلك، أعلنت شنغهاي عن 21 إجراءً لمساعدة الشركات؛ حيث تهدف الإجراءات إلى تقديم دعم أقوى للمتضررين من عودة ظهور الوباء في شنغهاي مؤخرًا، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الإجراءات المتعلقة بالضرائب وحدها يمكن أن تقلل العبء على الصناعات والشركات في شنغهاي بنحو 140 مليار يوان في عام 2022.


وفي خضم ذلك يثور التساؤل: كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي بإجراءات الغلق في الصين؟


يتضح جليًّا تأثير الإغلاق على الاقتصاد الصيني، لكن من المتوقع أيضًا أن يتأثر الاقتصاد العالمي؛ حيث إن الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر الدول المصدرة، وتستأثر وحدها بثلث التصنيع العالمي. هذا وتمثل عمليات الإغلاق الأخيرة في الصين خطرًا أكبر على التضخم العالمي مما كانت عليه في عام 2020؛ إذ إن العالم أصبح أكثر اعتمادًا على السلع الصينية منذ بداية الوباء، وارتفعت حصة الصين من الصادرات على الصعيد العالمي إلى 15.4٪ في عام 2021، وهي أعلى نسبة منذ عام 2012.


تلعب الأزمة الحالية في الصين دورًا مؤثرًا في التأثير على سلاسل الإمداد العالمية؛ حيث تسبب الإغلاق على مستوى مدينة شنغهاي، في حدوث ازدحام في أكبر ميناء في العالم؛ مما أدى إلى توليد طوابير من السفن؛ ما يعني وجود عدد كبير من السلع عالقة داخل الصين. يذكر أن عدد سفن الحاويات المنتظرة قبالة شنغهاي يوم 11 أبريل كان أعلى بمعدل 15% عن الشهر السابق؛ وذلك نتيجة للقيود المفروضة التي تسببت في نقص عمال المواني في شنغهاي؛ ما أدى إلى إبطاء تسليم الوثائق اللازمة للسفن لتفريغ شحناتها. ومقارنةً بمستويات ما قبل الوباء، فإن تكاليف حاويات التصدير في شنغهاي أعلى بخمس مرات، وتكاليف الشحن الجوي أعلى مرتين؛ مما يشير إلى أن أسعار الصادرات الصينية سوف ترتفع؛ مما سيؤثر على أكبر الشركاء التجاريين للصين.


كما تواجه الصين مشكلات لوجستية أخرى؛ حيث تضرر قطاع النقل بالشاحنات -الذي يمثل نحو ثلاثة أرباع إجمالي الشحن المحلي في الصين ويلعب دورًا حيويًّا في ربط المواني بمراكز التصنيع- جراء القيود المفروضة على السفر بين المدن؛ مما أدى إلى تأخير تسليم الشحنات إلى المصانع والشركات وتوقف الإنتاج في الصناعات الرئيسة. ويرجع سبب تأخير تسليم الشحنات إلى القيود المفروضة على سائقي الشاحنات في الصين، والذين يبلغ عددهم 17.3 مليونًا؛ حيث يجب أن يخضعوا إلى اختبار كوفيد عند نقاط تفتيش متعددة. بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل بالشاحنات، فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر حجز شاحنة من مقاطعة شاندونغ إلى شنغهاي من 7000 يوان إلى 30 ألف يوان.


وختامًا، يمكن القول إن الصين قوة اقتصادية عظمى يمكن أن تؤثر أحداثها المحلية على الاقتصاد العالمي؛ حيث إن أزمة سلاسل الإمداد التي تشهدها الصين حاليًّا وارتفاع تكاليف الشحن من المتوقع أن تؤثر على التضخم والنمو العالمي.


google-playkhamsatmostaqltradent