recent
عـــــــاجــــل

قراءة ما بعد حداثية لنص: إطار الحياة للأديب طارق حنفي

 

قراءة ما بعد حداثية لنص: إطار الحياة للأديب طارق حنفي 

بقلم الناقد: حسن أجبوه

القراءة :

غرائبية الموت أم سريالية الحياة

قراءة بنص إطار الحياة للكاتب طارق حنفي:

-------

ما يثير الدهشة والاندهاش من نص بانفعالات تيمية يعرض تفاعلات مشهدية غرائبية، تتيه بين طياتها، المجريات الديناميكية للحبكة السردية، فيصعب معها محاصرة الفكرة المبتغاة إيصالها مادام الكاتب لم يفصح علانية عنها..

وبالرجوع الى متاهات الاطار، ذلك المجسم الذي يحيط بالصورة، فيغلفها بهالات من التجليل والتقديس، ليظهرها متفردة، ساطعة، غير مرتبطة بخارجها الزمكاني. ويبدو أن الكاتب يريد إجبارنا عنوة، بالتفكير في دلالات الحياة و المغزى من حشرها داخل إطار ، فالمفروض أنها مبحث فلسفي متكامل، دأب الإنسان منذ الأزل في النظر والتمعن بماهيتها وكينونتها.. لذلك نجد أنفسنا كمتلقين أو فقط كمحبين للحياة نغوص مباشرة مع بطل القصة بدون مقدمات، داخل فضاء من هنا أو هناك، فضاء عشناه بالماضي ونعيشه بالحاضر وسنعيشه بالمستقبل، هذا اللافضاء هو فكرة تسبق الموت وتتقدم على الحياة، هذا اللافضاء بدون أبعاد بشرية هو ما ذهبت إليه الكاثوليكية بابتداعها لفكرة "المطهر" (purgatorium) وهو ذلك المكان (اللافضائي) الذي تجتمع فيه أرواح المؤمنين الخطاة، ليتطهروا من ذنوبهم، ويتوبوا توبة كاملة، حتى يصبحوا أهلا لملكوت الرب..

لذلك فالعتبات التي افتتح بها الكاتب نصه، هي بالتأكيد تحيل جدلا للمعنى المذكور: (ممرا ضيقا طويلا، الجداران والارضية ذات لون رمادي). فدلالات استعمال اللون الرمادي، كمزيج بين اللونين الأبيض والأسود، وما يقابلهما من تضاد (ليل/ نهار، إيمان/ ظلال، جنة/ جحيم...) كلها تنحو لنفس المعطى بأن البطل يتواجد بالمكان الذي يعتبر محطة (ترانزيت) بين الحياة والموت.


قراءة ما بعد حداثية لنص: إطار الحياة للأديب طارق حنفي

وبتحليل الأحداث وتسلسلها، نستشف ديناميكية متحررة، لتلك الروح العطشى، التواقة للتحرر من خطاياها، في مشهدية تصاعدية، تجعل منها عينا تصارع وتتأوه لاكتشاف معاصيها، وما خلفته طيلة حياتها من آلام وشرور، بدءا  بأقرب الأقربين.

تتقاطع المشاهد التي اختار الكاتب، ترتيبها وفقا لتفاعل الشخصيات التي تطل علينا سلسلة حيواتها من ذاخل كوة هلامية سينمائية، يتلاعب بسيميائية انفعالاتها شدة الضوء ( تعبيرا عن الالم) وخفوته ( تعبيرا عن تلاشي الالم).

* تمازجات الشخصيات و كرونولوجية العرض:

1. الإطار الاول : الزوجة = 

أرملة البطل، تظهرها الشاشة المضيئة، بداية العرض ( اطار الحياة) في حداد، متوشحة بالسواد، حزينة لفقدان زوجها.. ( وهنا بما أن المطهر هو حيز لازمكاني، فلا اعتبار للابعاد الانسانية )، بعدها في تسارع للاحداث، تخف حدة الضوء وتمر السنين، و تتناسى الزوج، وتخلع ثياب الحزن.. و تغوص بملذات الحياة، لتقترن برجل آخر، حيث يقدم  على إبعادها عن الاطار الذي تتواصل عن طريقه بروح زوجها، فتحل العتمة و يتعرض للصدمة والألم ..في تصوير سينمائي مدهش، كفطام وجداني يشكل قطيعة تواصلية للمشيمة الروحية التي جمعت بينهما.

2. الاطار الثاني : الأبناء = 

صبي وفتاة، هما أبناء الهالك، شدة الضوء القوية المنبعثة من هالة الإطار، للدلالة على قوة الألم التي تغذي اللوحة جراء تيتمهما وفقدانهما حنان وعطف الأب.. وكما جرت العادة مع اللوحة الاولى، ينظران لاطار الاب، وهما في حالة كرب وحزن، تتسارع مشهدية زمن حياتهما، لتنقسم الى جزئين للدلالة على اختيارتهما الحياتية، فمل منهما اختار لنفسه مسارا. تخفت دموع الصبي أولا وتتوقف، ليغادر المكان و ينتهي الحزن وتظلم اللوحة. و جزء الفتاة الذي يستمر حزنها ( وهذة طبيعة الأنثى المتعلقة بأبيها - عقدة إلكترا- فرغم تأهلها للزواج وارتداءها للفستان الأبيض الا أنها مازالت تتذكر أباها الراحل خصوصا في مثل هاته المواعيد الفارقة، لكن بعدها يخفت الضوء وتظلم اللوحة بمعنى أنها بزواجها ربما غادرها الحزن.


3.الاطار الثالث: الأم = 

سيدة طاعنة بالسن، هي من تمسك بالاطار، شدة الضوء متقطعة، حزنها متأصل، دموعها منهارة، فشلها مستدام (تقاوم عجزها، علقت الاطار على الحائط)، هي الحاضنة للعائلة للأبناء والأحفاد، توزع عليهم دفأها وحنانها، لكن عندما تختلي بنفسها، تعاودها ذكريات الحزن وألم الفقد، وتذرف الدمع، فيشتد لمعان الضوء، ممعنة بملامح طيف صورة الاطار، التي سوف تكشف عن صورة ابنها. 

غرائبية الخاتمة:

كشفت الخاتمة، عن تواصل انفعالي- متمواج (تأثر/تأثير)، بين أرواح الشخصيات بالنص، في غرائبية فنتازية مركبة، تحيل لبرزخ (مطهر) تتفاعل بينه روح مشاعر الطيف و أرواح الاسرة (زوجة،أبناء، أم) تتبادل من خلال إطار هو بمثابة ثقب ضوئي، يتوهج بالحزن والألم، ويخفت بتبددهما.

تحليل:

من خلال قراءتنا للنص، بتنوع أبعاده، يمكن الحديث عن محاولة تجديدية للمناولة القصصية، بصيغة سوريالية مبتكرة، أظن أن الكاتب قدم من خلالها تركيزا فلسفيا-وجوديا ناجحا، رغم بعض الملاحظات على الترتيب الكرونولوجي للأحداث، متسائلين عن دلالات التي حتمت الاستهلال بشخصية الزوجة، كان من المنطقي حسب رأينا الانطلاق من الأم. كما أن الخاتمة جاءت يشوبها شيء من التسرع في الحبكة. لكن على العموم يمكن القول أن النص يمثل فكرة انطولوجية برهنت عمق التأثير المادي والوجداني لماهية التراجيديا التي تحكم النظرة العلاقئية بين الأم/الابن/الزوجة/الفتاة/الصبي. لتنتصر في الأخير للعقدة الأوديبية.

حسن أجبوه  ابن احمد - المغرب-    ٢٠٢٢/١٠/٠٦


النص:

رُدت إليه روحه فجأة؛ شهق بقوة وانتفض جسده.. جلس في مكانه وطفق يلهث. 

شرَّع جفونه وشَرع يعاين المكان حوله، مَمَرًّا ضيقًا طويلًا، الجداران والأرضية ذات لون رمادي.. يشيع في المكان ضوء خافت يتسلل عبر بقعتين متجاورتين على نفس الارتفاع من أحد الجدارين.  

اقترب كفراشة من مصدر الضوء، تبين له أنهما لوحتان مرسومتان، يغوص إِطَارَاهُمَا داخل الجدار حتى لتبدوان كنافذتين يتسلل منهما الضوء. 

أعمل النظر في اللوحة الأولى، استهوته دقة الرسومات وكثرة التفاصيل، غرفة نوم تجلس فيها سيدة شابة جميلة ترتدي

google-playkhamsatmostaqltradent