عندما نتنفس التاريخ
recent
عاجـــــــــــــل

عندما نتنفس التاريخ

 عندما نتنفس التاريخ 


  بقلم د/ سعيد محمد المنزلاوي



عرض. طارق أبو حطب


يقول الشاعر أحمد شلبي من قَصِيدَة "أغنية عَرَبِيَّة"(1):

 


تَلْفِتُنَا الصُّورَة هُنَا إِلَى قدرتها عَلَى التَّعْبِير عَنْ تَجْرِبَة الشَّاعِر ومشاعره وَفِيهَا تنهض كَلِمَة "تَتَنَفَّسُ" بالإيحاء الواسع لأنها تشعر بمفردها عَنْ دخول النَّفَس إِلَى الرئتين وإخراجه مِنْهُمَا، والنَّفَس ضروريٌّ لاستمرار الحَيَاة، وَقَدْ عبَّر الشَّاعِر عَنْ استعراض التَّارِيخ واسترجاعه بالفعل "تَتَنَفَّسُ" ليؤكد عَلَى أهمية استحضار التَّارِيخ والإفادة مِنْهُ، فَهُوَ كالهواء الضروري للحياة، فَكَمَا لاَ يَستغنى الحي عَنْ الهواء، كَذَلِكَ لاَ يُمْكِن أَنْ يستغنى عَنْ تَارِيخه وماضيه فِي استجلاء حاضره والتخطيط لمستقبله.

ويوحي تَنَفُّس التَّارِيخ فِي الأعماق ـ كَذَلِكَ ـ بالتعب أَوْ الكرب، تؤكده صيغة الفِعْل المُضَارِع الَّتِي تفيد التجدد، فَهِيَ تَجْمَع بَيْنَ (التَّاء) المُكَرَّرَة، وَهِيَ حَرْف مَهْمُوس يَحْكِي صَوْت النَّفَس فِي غُنَّة حَرْف (النُّون) وانفتاح (الفَاء) مَعَ (السِّين)، وَهُوَ حَرْف أسلي (نِسْبَة إِلَى أَسلَة اللَّسَان أي رأسه)، وَلاَ شك أنَّ للتضعيف عَلَى حَرْف (الفَاء) شدة تزيد المَعْنَى قوة عَلَى قوته.

وَلاَ نَرَى مَا هُوَ أقدر عَلَى تصوير هَذَا المَعْنَى من تِلْكَ الكَلِمَة، وَالَّتِي لاَ نستطيع أَنْ نستبدل بِها غيرها، فَالكَلِمَة فِي الشِّعْر مقصودة لذاتها، فَلَيْسَ يغني عَنْهَا مرادف، ناهيك عَمَّا تفيض بِهِ من إيحاءاتٍ ثَرَّة وَمَعَانِي بَالِغَة، "فَالصُّورَة الإيحائية أبعد تأثيرًا فِي النفس وَأَكْثَر علوقًا فِي القلب من الصُّورَة التحريرية الوصفية، وَهِيَ أبعث بالتالي عَلَى المتعة والإحساس بالجمال"(2).


(تَتَنَفَّسُ التَّارِيخ فِي أَعْمَاقِهَا  


وَتَمُدُّ  عَيْنَيْهَا لِطَرْفِ الوَادِي)  


(1) دِيْوَان مِن أَغَانِي الخَوْفِ: 61، (وَالقَصِيدَة مِنْ بَحْر الكَامِل).

(2) الصُّورَة فِي شِعْر بشار بن برد، د. عبد الفتاح صالح نافع:83، دار الفِكْر للنشر والتوزيع، عمان 1983م

عندما نتنفس التاريخ
دكتور طارق عتريس أبو حطب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent