recent
عاجـــــــــــــــــــــــل

...وعلى الصداق المسمى بيننا... (قصة قصيرة) للأديب د. أحمد مصطفى




عرض. طارق أبو حطب 


على سبيل التقديم: 

قارءنا الكريم ندعوك لتصحبنا في نزهة أدبية بين الخيالات والظنون وخبايا المستت المكنون وبين فيافي الحرمان ورياض الاطمئنان مع قلم الإبداع وإبداع القلم قصة قصيرة أوقل لحن أدبي أو إن شئت فأنغام قيثار بعنوان "وعلى الصداق المسمى بيننا" للأديب الكبير الأستاذ الدكتور أحمد مصطفى 

------------مع القصة--: 

ملامحه باهتة ، ترى في وجهه وجوها شتى ، وألوانا مختلفة ، أبيض، أسود ، أحمر،  يمضي  من طرقات المكان ؛ فيزلزل الأرض ، وتتراقص الأشياء من حوله، ثمة روايات بأنه يحمل بين أضلعه سرا كبيرا ، وأن قطته السوداء تعدو خلف عصافيره ، انتبهت لهذا السر الكبير كلما رأيته يتمايل  كنخلة قديمة ، يطاول مأذنة مسجدنا الكبير، لم يكن أمامه إلا فتح كتابه ، تذكرت كلماته حين كنا نجلس سويا على شاطيء النهر نرمي الصخر ، ونتأمل موجاته، نداعب حبات التراب المتناثرة ، نشاطر الغراب أحزانه في موت أخيه حين جاء يبحث في الأرض ؛ ليواري سوأته، وراح يضرب جذر النخلة القديمة ، فحرمنا أن نمكث عندها.

     هنا أخذ بيدي ، وأخرج من خزانته صورة لطفل صغير ، جميل ، نقي ، بهي ، يقول إنه ابنه!  ربما يقصد أنه في مكانة ابنه ، لكنه أكد أنه ابنه ، وأنه يراه كل يوم دون أن يعرفه! ربما تزوج وأخقى زواجه ، ربما ..ربما ...ربما .

ذكرني بامراة ممشوقة القوام ، يتراقص القرط من أذنيها، وجهها أشبه بقرص العسل، فيها من نساء العالم مايجعل الدم يسري في عروق الحياة ؛ فتتجدد، والنشوة في عيون البائسين ، فيها حكمة (شجرة الدر) المدللة، وجمال (نفرتيتي) ، و(جوزفين) اللعوب، و(فيكتوريا و ماري أنطوانت) المشؤمة ، وأنياب (كاترين ) الحادة، وغرور الملكة (إلزابيت) وغواية (ديانا بواتيه) و(إيرما لا دوس) ، وشراسة (إيزابيلا) قاهرة العرب، وهي (زنوبيا وكيلو باترا وسميراميس ) .

تعجبت من أوصافه، وعجبت لامراة تجمع كل هذه الصفات ، وعجلت إليه ليقص حكايته معها، يممت وجهي شطر صورة الطفل؛ ثمة تشابه بينهما،         

يقولون إني رجل قيمة وقامة ، كبير مقام ، وكبير قوم ، لكنهم نسوا أن لي شياطين إنس يجتهدون في محاربتي ، يمنعون عني القلم، يخفون أوراقي البيضاء، يسخرون مني حين أخربش بكلمات على حائطي، ظننت أني مثلهم متشبع بالحمال والحب، أحلم بعالم وردي، لكني- أحيانا - أتخفى وراء هذه المكانة التي صنعوها ، كانت تسكن في العمارة التي أسكن فيها ، فنتقابل في أوقات متباعدة ، كانت – كما وصفتها لك- جميلة تفتحت بها الأزهار، وكثيرا ما كنا نتبادل النظرات في صعودها ونزولها، عرفت أنها  في انتظار أخبار عن زوجها الذي يكثر الغياب في محافظات الصعيد ، طلبا للرزق .

فريسة سهلة ، لكنها قوية ؛ فالأسود تتصارع لرؤية لبؤة تهز ذيلها لأسد قوي تروقه عين ناعسة ونهد مشرق، وقوام رائع وروح مرحة، خليط بين القوة والضعف، والجرأة والخجل، والغباء والدهاء، فرق كبير بيننا؛ هي متزوجة ، وأنا أعزب، أسكن مع جدتي في شقتها بالدور الثاني قبل شقتها بالدور الثالث، رأيتها لأول مرة ، فتهبأ لي أن جمالها يخجل منه القمر ليلة التمام، تلمع مثل البدر، سولت لي نفسي صورتها في كل شيء كنت أرى شعرها يسرح في أشعة الشمس،كنت أغار من الشباب حين يتحدثون    عن فتنتها التي لا تقاوم،  كانت تسأل جدتي عني وعن دراستي ، وتعرف موعد خروجي وعودتي ، أمسكت يدي وطلبت مني أن أساعدها في فتح باب شقتها ، وتعللت بأن المفتاح يحتاج يدا قوية ، أيقنت أني خطرت ببالها ، كما خطرت ببالي، فطمعت في أشياء تتحرك في خيال الشباب ، تركتها خائفا وجلا، تابعت نظراتها ، قابلني زوجها على درجات السلم بين الدورين ، سلمت عليه وأسرعت في دخول شقة جدتي ..

 خُيل إلي من سحرها أنها تسعى إليه ويسعى إليها ، وأنه أخرج من حقيبته هدية أنستها هذا الشاب الذي أمسكت بيده من لحظات،وأنها معه كحمامة بيضاء تتمايل على طرف سريره تبثه حنينها وشوقها،تملكتني الظنون ، حتى سمعت دقات الجرس ، خرجت فوجدتها تريد حاجة من جدتي ، وجدتني أشدها بقوة وأغلق الباب ، شعرت أنها جاءت من أجلي، احتضنتها وقبلتها على غير رغبة منها!

تركتني –على عجل – دون كلمة واحدة وانصرفت ولم تفز بقضاء حاجتها ، دخلت حجرتي ، باكيا نادما ، وأيقنت أنها ستقص ماحدث لزوجها وأني في مشكلة لامحالة ، ومرت الدقائق والساعات ، وشعوري بالخوف يتجدد ، بعد يومين سمعت صوت أقدام على الدرج ، فتحت شراعة الباب ؛ لأرى زوجها يحمل حقيبته مسافرا ، شعرت بالاطمئنان ، وتأكد لي أنها لم تبح له بما حدث....وظننت  أنها ارتحلت بعيدا، ولن تعود، كيف لشاب  مثلي في كلية من كليات القمة  أن يقع في براثن الحزن ؟! وفي المساء نظرت من شرفة غرفتها ، ودعتني – وهي ذات المنصب والجمال – لكني لم أقل معاذ الله ، هرولت إليها ، غلقت الأبواب ، وكان ما كان ، غادرتها كوردة مجففة، وعروس فُض خاتمها بغير حقه، كأن فمها حبة عنب قد عصرت ، عرفت بعدها بشهر انها حامل ، وكانت المفاجاة أن هذا الحمل ثمرة علاقتنا ، وأن هذا الابن الذي رايت صورته هو ابنه المنسوب لزوجها المسكين زورا وبهتنا ، وأنه حرم رؤيته وتقبيله ، وانهما حُرما جمال العبارة ....وعلى  الصداق  المسمى بيننا...كما حرما بخطيئتهما رضى الله والجنة...

...وعلى الصداق المسمى بيننا...  (قصة قصيرة) للأديب د. أحمد مصطفى
دكتور طارق عتريس أبو حطب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent