recent
عـــــــاجــــل

حسن سليم يكتب: ابتسامة الشر

 

ابتسامة الشر

حسن سليم يكتب: ابتسامة الشر



الشر ليس دائمًا له وجه قبيح كما اعتدنا أن نراه في القصص، ولا يأتي دائمًا متشحًا بالسواد أو متحدثًا بصوت غليظ يثير الرعب.. فالشر في حقيقته أكثر مكرًا ودهاء من أن يظهر بملامح واضحة.. إنه قد يطل علينا بوجه باسم، أو بكلمة طيبة، أو حتى بصوت خاشع في دعاء.. الشر لا يعيش في الظلال كما نتصور، بل يسكن بيننا، يجلس على الموائد، يشاركنا الصلوات، يربت على أكتافنا مواسيًا حين نحزن، ثم في لحظة ما يمد يده ليغرس الخنجر في أعمق نقطة في القلب.. تلك هي الحقيقة التي لا نحب أن نعترف بها، لأننا نفضل أن نرى العالم بلونين، خير مطلق وشر مطلق، بينما الواقع رمادي تتشابك فيه النيات، وتختلط فيه الدوافع، وتتبدل فيه الأقنعة بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم.


الشر ليس دائمًا صاخبًا، إنه يعرف كيف يتقن الصمت، وكيف يختبئ خلف المظاهر الهادئة التي تبعث على الطمأنينة.. ربما يقف بجانبك في الصف الأول من المصلين، وربما يشاركك العمل نفسه ويبتسم لك كل صباح، وربما يسألك عن أحوالك بصدق ظاهري، لكنه في أعماقه يضمر الغيرة أو الحقد أو رغبة في استغلالك.. ومن هنا تبدأ المأساة، لأننا نظن أن معرفة الشر أمر يسير، وأننا قادرون على اكتشافه بمجرد النظر أو التجربة، لكن الحياة تعلمنا أن أكثر الوجوه إشراقا قد تخفي ظلالا معتمة، وأن أكثر القلوب خشوعا قد تحمل نوايا لا تمت للرحمة بصلة.


المشكلة ليست في وجود الشر ذاته، فهو جزء من الطبيعة البشرية منذ بدء الخليقة، بل في طريقة تمويه الشر لنفسه، وفي قدرتنا نحن على إنكاره حتى بعد أن نراه.، فكم من مرة منحنا الثقة لمن لا يستحقها، فقط لأنه تحدث بلطف؟ كم من مرة دافعنا عن إنسان لمجرد أنه بدا متدينا أو خلوقا في الظاهر؟ وكم من مرة صدقنا الوعود الجميلة لأنها غلفت بشريط من الكلمات المنمقة؟.. الشر يعرف جيدا أن الطريق إلى قلب الإنسان يمر عبر طمأنينته، ولهذا يتقن فن التمويه، ويختار الوقت والمكان المناسبين ليتسلل إلى أرواحنا دون أن نشعر.


وهناك أمثلة لا حصر لها عن هذا الشر الذي يبتسم.. المدير الذي يتحدث عن الأخلاق والمبادئ في الاجتماعات، بينما يظلم موظفيه في الخفاء والسياسي الذي يرفع الشعارات الوطنية في العلن، بينما يبيع ضميره في السر.. والصديق الذي يقف إلى جوارك في الشدائد لكنه في الوقت ذاته يفرح داخليًا حين تسقط.. وحتى ذلك القريب الذي يفيض لسانه بالدعاء لك، لكنه يخطط لإيذائك بوسيلة لا تخطر ببالك.. فالشر ليس غريبا عنا، إنه فينا، في تفاصيل الحياة الصغيرة التي تمر دون أن ننتبه إليها، في كلمة جارحة نلقيها بلا وعي، في موقف نتخلى فيه عن إنسان محتاج، في قسوة غير مبررة أو استعلاء نمارسه على من هم أضعف منا.


ولأن الشر ذكي بطبعه، فهو يتقن دور الضحية ببراعة. يتحدث عن الألم، وعن الخيانة، وعن الناس الذين لا يفهمونه ويثير تعاطفنا حتى نغفل عن أفعاله الحقيقية.. وهنا تكمن خطورته، لأنه يجيد استخدام إنسانيتنا ضدنا، يقترب منا لا بالسلاح، بل بالعاطفة، يتسلل عبر باب الرحمة الذي نتركه مفتوحًا دائمًا، فيتخذ لنفسه مكانًا في قلوبنا، ثم يعبث بكل شيء بعد أن نغفل الحذر.


لقد اعتدنا أن نحمل الشيطان وزر كل شر في الدنيا، لكن الحقيقة أن الإنسان هو من يمنح الشر أدواته.. هو من يزرع الحقد حين يشعر بالنقص، وهو من يبرر القسوة حين يطلب الانتقام.. الشر لا يولد معنا، بل ينمو كلما تغافلنا عن القيم، وكلما صمتنا عن الظلم، وكلما سمحنا لأنفسنا أن نؤذي الآخرين بحجة الدفاع عن النفس.. لذلك فإن المعركة مع الشر ليست خارجنا، بل داخلنا نحن.. إنها معركة بين النور الذي نحمله والظلام الذي نحاول تجاهله.


ربما لهذا السبب يقال إن أخطر أنواع الشر هو الذي يتقنع بالخير.. لأن الشر الواضح يمكن مواجهته، لكن حين يختبئ خلف ابتسامة أو خلف شعار نبيل يصبح اكتشافه مهمة شبه مستحيلة. تخيل مثلًا من يتحدث عن المحبة والسلام بينما يبث الكراهية في الخفاء، أو من يدّعي الزهد وهو لا يعيش إلا لجمع المكاسب.. هؤلاء أخطر من أولئك الذين يعلنون شرهم، لأنهم يسلبونك القدرة على التمييز، ويجعلونك تشك في فطرتك وفي أحكامك.


الشر المبتسم لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل قطرة قطرة، حتى يصبح وجوده طبيعيًا في حياتك. يبدأ بموقف بسيط لا يثير الريبة، ثم يليه آخر، حتى تجد نفسك محاطًا بشبكة من الأكاذيب والعلاقات المزيفة التي كنت تراها صادقة.. والأسوأ أنك تكتشف متأخرا أنك ساعدت هذا الشر على النجاح، إما بصمتك، أو بخوفك من المواجهة، أو بكسلك عن رؤية الحقيقة.


وفي المقابل، هناك أولئك الذين يتخذون من الخير مبدأً، ولا يرفعون شعارات، ولا يتحدثون كثيرًا عن فضائلهم، لكن وجودهم يبدد ظلام الآخرين دون أن يقصدوا.. هؤلاء لا يبتسمون تملقا ولا يواسون رياء، إنما يصنعون الخير كعادة لا تحتاج إلى تبرير.. والمفارقة أن هؤلاء غالبا ما يساء فهمهم أو يتهمون بالسذاجة، لأن عالمنا صار يقدر المكر أكثر مما يقدّر الصدق، فنحن في زمن أصبح فيه الكذب مهارة اجتماعية، والرياء ذكاء، والنفاق وسيلة للترقي، صار الخير الصامت هو المقاومة الحقيقية.


ولأن الإنسان بطبعه كائن يبحث عن الأمان، فإنه غالبا ما يثق في الوجوه المألوفة، فيبتعد عن الشر الصريح ويقع فريسة للشر المبتسم.. كم من مجرم لا يختلف في مظهره عن أي شخص محترم، وكم من خائن لم يحمل سلاحا لكنه طعن بلسانه، وكم من منافق بنى مكانته على حساب ضمائر الآخرين.. تلك الوجوه التي تتحدث عن الفضيلة، لكنها تتنفس كذبًا كل يوم، هي الوجه الحديث للشر، الوجه الذي لا يخيف، لكنه يدمر ببطء.


قد يبدو هذا الكلام قاتما، لكن الاعتراف بوجود هذا الشر المموه هو بداية العلاج. فالمجتمعات لا تنهار بسبب الأشرار وحدهم، بل بسبب الصالحين الذين يرون الشر ويصمتون، الذين يفضلون المجاملة على المواجهة، والسكوت على قول الحق.. هؤلاء يمنحون الشر شرعية البقاء.. فالشر لا يعيش إلا في الفراغ الذي يتركه الصمت، ولا يزدهر إلا حين نغض الطرف عن خطاياه الصغيرة بدعوى أنها لا تستحق الاهتمام، لكن كل شر صغير هو نواة لكارثة كبيرة، وكل تساهل في مواجهة الباطل هو خطوة في طريق الظلم.


وفي حياتنا اليومية، نصادف كثيرين يمثلون هذا النوع من الشر الناعم. من يستغل الطيبة، ومن يبيع الثقة، ومن يتقن لعبة الكلمات ليصل إلى غايته.. الشر لا يقتل دائمًا بسلاح، أحيانًا يقتل بكلمة، أو بابتسامة زائفة، أو بإهمال مقصود، وما أكثر الذين أنهكت أرواحهم لأنهم وثقوا في مظهر خادع، أو صدقوا نية لم تكن صافية.


لكن على الرغم من ذلك، لا ينبغي أن نفقد إيماننا بالخير، لأن إدراك وجود الشر ليس دعوة للتشاؤم، بل حافز للوعي، فحين نعرف أن الشر قد يبتسم، نصبح أكثر حرصا على قراءة العيون بدلا من الوجوه، وعلى الحكم بالأفعال لا بالأقوال، نصبح أكثر وعيا بأن التدين ليس بالطقوس، وأن الأخلاق ليست بما يقال على المنابر، وأن الصدق يقاس بالمواقف لا بالشعارات.


الشر لا ينتصر إلا حين نسمح له أن يعيش داخلنا، حين نغذي حقدنا بدلا من أن نواجهه بالرحمة، وحين نرد على الخيانة بخيانة مثلها، لكننا إن أدركنا أن قوة الخير تكمن في ثباته لا في صراخه، سنفهم أن مقاومة الشر لا تكون بالسيف، بل بالوعي.. الوعي الذي يميز بين المظهر والحقيقة، بين النية والكلمة، بين من يخدم المصلحة العامة ومن يخدم نفسه.


ربما يكون أجمل ما في إدراكنا أن الشر يبتسم، أنه يجعلنا أكثر حرصًا على ألا نكون نحن مصدر هذا الشر دون أن نشعر.. يجعلنا نراجع أنفسنا في كل مرة نكذب فيها مجاملة، أو نغتاب أحدهم تبريرا، أو نتهاون في نصرة مظلوم، لأن الشر لا يولد في الخارج، بل يبدأ من الداخل، من لحظة نسمح فيها لضميرنا أن يصمت.


في النهاية، سيبقى الشر يغير أقنعته ما بقي الإنسان، وسيظل الخير في سباق دائم معه.. لكن الفارق بين الاثنين أن الشر يحتاج دوما إلى من يبرره، بينما الخير يكتفي بصفائه.. الشر قد يبتسم ليخدع، أما الخير فحين يبتسم فإنه يضيء، وبين هاتين الابتسامتين، يختار كل واحد منا أي وجه سيحمله للعالم.. لأن الحقيقة التي لا مهرب منها أن داخل كل إنسان شرا صغيرا وخيرا كبيرا، والفرق فقط فيمن نطعم أكثر.


إن العالم لا يبنى على مثالية خالصة، بل على وعي متوازن يعرف أن من حولنا ليسوا ملائكة ولا شياطين، بل بشر يمكن أن يبتسموا وهم يؤذون، أو يصمتوا وهم يحبون، أو يخطئون وهم يحاولون أن يكونوا طيبين.. لذلك لا تكره الشر فقط لأنه شر، بل افهمه لتتعلم كيف تضع له حدا.. ولا تنخدع بالابتسامات ولا بالمظاهر، فالعبرة بالنور الذي يتركه الإنسان في أثره، لا بالكلمات التي يقولها في العلن.


وهكذا، حين نردد أن الشر لا يخيف دائما، وأنه أحيانا يبتسم ويصلي ويقف إلى جوارك، فإننا لا نحذر من الناس بقدر ما نحذر من الغفلة، لأن الغفلة هي الحليف الأقوى للشر.. فإذا استيقظ الوعي، انكشفت الأقنعة، وسقط التزييف، وعاد ميزان الإنسانية إلى اتزانه، عندها فقط سنعرف أن الابتسامة لا تطمئن دائمًا، وأن النية لا تعرف من المظهر، وأن الحق لا يحتاج إلى تمثيل.. الشر سيبقى يحاول أن يختبئ خلف الطيبة، لكن من يعرف الحقيقة لن يخدع، لأن النور مهما خفت يظل أقوى من الظلام، حتى لو جاء الظلام هذه المرة مبتسما.


google-playkhamsatmostaqltradent