recent
عـــــــاجــــل

حسن سليم يكتب: جريمة اسمها أب

 

حسن سليم يكتب: جريمة اسمها أب

حسن سليم يكتب: جريمة اسمها أب



ليس كل ما يعرض على السوشيال ميديا حقيقة، وليس كل من صور مجرمًا كان كذلك، وليست العدالة دائمًا ما تنتصر حين ترفع الكاميرات.. نحن اليوم أمام مشهد إنساني بالغ القسوة، لا يخص أبًا بعينه، بل يمس جوهر الأسرة المصرية، ويكشف جرحا غائرا صنعته قوانين جائرة، ورسخه إعلام فقد ميزان العدل، وباركه صمت مجتمعي مخيف.


كيف تحول الأب إلى متهم؟

كيف أصبح الأب الذي يفترض أن يكون الأمان والسند متهما بالخطف؟

كيف يجرم رجل لأنه أراد ابنه؟

أي منطق هذا، وأي عدالة تلك التي تجعل الأب غريبًا في حياة فلذة كبده، ثم تحاسبه لأنه حاول الاقتراب؟


السوشيال ميديا والإعلام، في لحظة واحدة، قررت أن ترى بعين واحدة.. اختارت صورة واحدة، زاوية واحدة، رواية واحدة، وأغلقت الباب أمام أي صوت آخر.. صورت الأب مجرما، والخال بطلا، والطفل غنيمة تنتزع من أبيه باسم القانون.. لم يسأل أحد لماذا وصلنا إلى هنا؟ من الذي دفع الأب إلى هذا اليأس؟ من الذي صنع هذه المأساة؟


إنه القانون.. نعم القانون، حين يتحول من أداة عدل إلى سيف على رقاب الآباء.


قوانين الأحوال الشخصية، بصورتها الحالية، لم تكتفِ بتنظيم الخلافات الأسرية، بل أسهمت بشكل مباشر في تفكيك الأسرة، وتجريد الأب من دوره الإنساني، وتحويله إلى كائن هامشي في حياة أبنائه. قوانين منحت طرفًا كل شيء، وسلبت الطرف الآخر كل شيء، ثم طالبت المجتمع بأن يصفق لهذا الخلل ويسميه عدالة.


هل من الطبيعي أن يُحرم الأب من رؤية ابنه؟

هل من الطبيعي أن يكبر الطفل وهو لا يعرف أباه؟

هل من الطبيعي أن يتحول الأب إلى مجرد اسم في شهادة الميلاد؟

وهل من الطبيعي أن يُتهم بالخطف إذا حاول أن يكون أبًا؟


إنها وصمة عار… نعم وصمة عار على كل مجتمع يتقبل هذا الوضع، وعلى كل إعلامي يمرر هذه الصورة، وعلى كل ضمير اختار الصمت.


الأب ليس خصمًا، وليس خطرًا، وليس متهمًا بالفطرة. الأب هو نصف الأسرة، بل عمودها الفقري. حين يُكسر هذا العمود، تنهار الأسرة كلها، ويدفع الطفل الثمن الأكبر. الطفل الذي يُربّى على فكرة أن أباه عدو، وأن حضوره تهديد، وأن قربه جريمة.


أي تشويه نفسي هذا؟

أي جريمة تُرتكب باسم الحماية؟


لقد صنعت هذه القوانين جيلًا من الآباء المكسورين، وآلاف القصص المؤلمة لرجال أحياء لكنهم محرومون من أبنائهم كأنهم أموات. آباء يعيشون على صور قديمة، وذكريات مبتورة، ورسائل لم تُقرأ، وأعياد تمر بلا معنى. آباء يقفون خلف الأبواب المغلقة، بينما يُقال لهم: هذا القانون.


القانون الذي لا يرى دمعة أب.

القانون الذي لا يسمع أنين قلب.

القانون الذي لا يعترف بأن الطفل يحتاج أباه كما يحتاج أمه.

القانون الذي خلق صراعًا بدل من أن يصنع توازنًا.


ثم يأتي الإعلام، ليصب الزيت على النار. لا يبحث، لا يدقق، لا يوازن. يلهث خلف اللقطة المؤثرة، والعنوان الصادم، دون أن يسأل عن الحقيقة الكاملة. يصنع بطلًا من موقف، ومجرمًا من مشهد، ويترك الرأي العام يصدر أحكامه بلا وعي ولا رحمة.


وهنا نسأل: مالكم كيف تحكمون؟

كيف صار التعاطف جريمة؟

كيف صار الدفاع عن حق الأب تهمة؟

كيف أصبح من يطالب بإنصاف الأسرة متهمًا بالعداء للمرأة أو الطفل؟


إن الدفاع عن الأب ليس عداءً للأم، والدفاع عن حق الأب لا يعني إنكار حقوق الأم. القضية ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل خللًا في منظومة اختارت الانحياز بدل التوازن، والعقاب بدل الإصلاح، والقطيعة بدل الشراكة.


نحن لا نبرر خطأ، ولا ندافع عن عنف، ولا نغض الطرف عن حالات تستوجب التدخل والحماية. لكننا نرفض أن يُعامل كل أب كمتهم محتمل، وأن يُسلب حقه الإنساني لمجرد كونه أبًا.


نرفض أن يُختزل دور الأب في نفقة، وأن يُلغى حضوره العاطفي والتربوي.

نرفض أن يُستخدم الطفل كورقة ضغط أو سلاح انتقام.

نرفض أن تُصنع بطولات زائفة على حساب قلوب مكسورة.


إن ما يحدث اليوم ليس مجرد قضية رأي عام عابرة، بل ناقوس خطر يهدد كيان الأسرة.. فإذا استمر هذا النهج، سنحصد مجتمعا مفككا، وأطفالا مشوشين، وآباء محطمين، وأمهات مثقلات بأعباء لا يجب أن يتحملنها وحدهن.


نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن هناك خللًا.

نحتاج إلى شجاعة مراجعة القوانين.

نحتاج إلى ضمير مجتمعي يستفيق.


العدالة لا تكون بإدانة طرف واحد، ولا بتقديس طرف آخر، بل بإعادة التوازن، والإنصاف، والرحمة.. العدالة الحقيقية هي التي تحمي الطفل دون أن تقتل الأب، وتنصف الأم دون أن تقصي الأب، وتصون الأسرة بدلا من أن تفككها.


في النهاية، تذكروا هذا جيدًا أن الأب الذي صوروه مجرمًا، هو في الحقيقة أب مكلوم.

والقانون الذي قيد يديه، قيد مستقبل أسرة كاملة.

والإعلام الذي صفق للمشهد، شارك في الجريمة المعنوية.


والتاريخ.. التاريخ لا يرحم من ظلموا باسم العدالة.



طفل كفر الشيخ بعد محاولة خطفه بسيارة


google-playkhamsatmostaqltradent