recent
عـــــــاجــــل

العمدة مجدي إبراهيم أحمد سالم رمز القيادة والمروءة في السماحية الكبرى

 

العمدة مجدي إبراهيم أحمد سالم رمز القيادة والمروءة في السماحية الكبرى

العمدة مجدي إبراهيم أحمد سالم رمز القيادة والمروءة في السماحية الكبرى


كتب- د. خالد البليسى


هناك رجالٌ لا يمرّون في الحياة مرورًا عابرًا، بل يعبرون إليها حاملين نورًا يسبق خطاهم، ويتركون وراءهم أثرًا لا يبهت ولا يندثر. رجالٌ إذا تحدّث الناس عن الخُلُق قالوا: هكذا يكون، وإذا ذكروا الشهامة أشاروا إليهم، وإذا ساقوا أمثلة في القيادة الرشيدة والمروءة الأصيلة جاءت سيرتهم في مقدّمة الحديث بلا استئذان. ومن بين هؤلاء القلائل الذين صاغوا حضورهم بصدق المواقف قبل الكلمات، وبجمال الفعل قبل جمال القول، يبرز اسم مجدي إبراهيم أحمد سالم؛ ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد عمدة لقرية، بل كان ضميرًا نابضًا، ورمزًا في الأخلاق، ومدرسةً في الإنسانية، وشعلةً لا تنطفئ من العمل والبذل والعطاء.


في زمن تتزاحم فيه الصفات وتختلط فيه المقاييس، امتلأت شخصية هذا الرجل بصفاءٍ نادر؛ تواضعه كان زينة مقامه، ورجولته كانت شاهدًا على أصله، ونبله كان سمةً يعرفها كل من عاشره أو مرّ في طريقه. رجلٌ عرف السلطة ولم تتغير نفسه، حمل المسؤولية دون أن يدعها تحمل قلبه بعيدًا عن الناس، فبقي قريبًا منهم، مستمعًا لهم، ناصرًا لمظلومهم، كابحًا لجموح معتديهم، جابرًا لخواطرهم، ومغيثًا لملهوفهم. ولأنّ العظمة الحقيقية لا تصنعها المناصب، بل تصنعها الروح، فقد كان وجهه البشوش مدخل الطمأنينة، وحكمته ميزانًا يزن به الأمور بلا ميل ولا شطط، وهيبةً تسبق خطواته لا خوفًا بل إجلالًا واحترامًا.


ولم تكن قيادته لعمدة السماحية الكبرى مجرد منصب يُؤدَّى، بل كانت مسؤولية عاشها كما تُعاش رسالة، فاستطاع أن يقود سفينة القرية بكل ما فيها من مثقفين وأصحاب مناصب وتنوع فكري واجتماعي بمهارة ربانٍ يعرف مداخل البحر ومخارجه. ولأن الرجل قليل بنفسه كثير بإخوانه، فقد عضدته بيئته الأصيلة، فخرج منها كما تخرج السيوف من غمدها؛ لامعة، صافية، لا تخطئ هدفها.


المقال

من رحم عائلة أبو سالم العريقة وُلد العمدة مجدي، تلك العائلة التي لم تكن مجرد نسبٍ يُتلى، بل كانت تاريخًا يتوارثه الأبناء، وقيمًا يزرعها الآباء في صدورهم قبل أن يسلموهم الأرض والاسم. وقد نشأ في أحد أهم بيوت هذه العائلة، البيت الذي حمل القيادة عقودًا طويلة، البيت الذي كان والده إبراهيم أحمد محمد سالم أحد أبرز عمد الدقهلية فيه، في زمن الملك فاروق، بل وكان عضوًا في لجنة اختيار العمد على مستوى المحافظة؛ وهي شهادة لا ينالها إلا أصحاب الرؤية الراجحة والمكانة الرفيعة.


في هذا البيت الأصيل، تربّى الأستاذ مجدي على الرجولة في أبهى صورها، وعلى الشهامة التي لا تصنعها المصالح، وعلى طهارة اليد التي لا تُشترى، وعلى صفاء النفس الذي لا يتلوّث مهما تبدّلت ظروف الحياة. شرب من نبع أبيه هذه القيم، فأجاد فن القيادة كما يُجيده الكبار، وأتقن إدارة الناس والاحتواء كأنه خُلِق لذلك، فكان امتدادًا طبيعيًا لتلك السلالة الطيبة.


وُلد الأستاذ مجدي في اليوم الأول من الشهر الأول عام 1951، في بيت يفيض بالكرامة والنسب الطيب من الأب والأم معًا. بدأ حياته العملية مدرسًا بمدرسة السماحية الابتدائية عام 1970، وهناك لمس لأول مرة معنى القيادة الإنسانية، فكان خير مربي وخير قدوة، استمرت مسيرته في التعليم حتى عام 1990، وهي سنوات صاغت شخصيته وزادت من قربه إلى الناس.


ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها القرية؛ لحظة أن يخلف الابنُ والده في موقع العمدة. وفي عام 1990 تولّى الأستاذ مجدي عمودية السماحية الكبرى، فحمل الأمانة بإخلاص، وقاد القرية عشرين عامًا كاملة دون أن يظلم أحدًا أو يُظلم عنده أحد. كانت قيادته نعم القيادة: رصانة في القرار، رحمة في التعامل، قوة حين تستوجبها المواقف، وعدل لا يحيد عنه مهما كانت الضغوط. ومن فرط حكمته ونظافة يده وحنكته الإدارية، اختير عضوًا في لجنة تعيين العمد بمحافظة الدقهلية لمدة عشرين عامًا متتالية، وهو اختيار يعكس حجم التقدير والثقة التي حظي بها على مستوى الجمهورية.


ذاع صيت العمدة مجدي في أنحاء البلاد، وتوسعت معارفه وعلاقاته مع المسؤولين والشخصيات المؤثرة، ليس طلبًا في وجاهة، بل خدمة لبلده وناسه؛ فكان بابًا مفتوحًا، وصوتًا مسموعًا، ووجهًا تحبه النفوس وتهدأ برؤيته القلوب.


لم يكن يومًا صاحب منصب يتعالى، ولا صاحب سلطة يتكبر، بل كان أقرب ما يكون إلى الناس: في أفراحهم يشارك، وفي أتراحهم يواسي، وفي خصوماتهم يصلح، وقد حلّ على يديه من النزاعات ما لو تُركت لأوصلت الأمور إلى ما الله به عليم. لكنه كان يعرف كيف يطفئ نار الخلاف، وكيف يضع كل شيء في موضعه، وكيف يعطي كل ذي حق حقه بلا زيادة ولا نقصان.


وعلى المستوى الأسري، كان أبًا حنونًا وزوجًا كريمًا، له من الأبناء أربعة: ولدان وبنتان، أحدهما محمد مجدي مجدي سالم العمدة الحالي للسماحية الكبرى، والثاني إبراهيم مجدي مجدي سالم المعروف بأدبه وخلقه ورقيّه في كل مكان.


عاش العمدة مجدي محبًا لبلده، مخلصًا لأهله، وفيًّا لوطنه، متسامحًا مع الجميع، لا يحمل في قلبه إلا خيرًا. وحين جاء يوم الرحيل، رحل كما عاش — بسلام — في يوم الجمعة الموافق 12 يونيو 2009، تاركًا خلفه إرثًا من المحبة يصعب أن يتكرر، وسيرةً عطرة تتردد في المجالس، وأثرًا خالدًا في قلوب أهل قريته وكل من عرفوه.


رحمه الله في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.


وهكذا تمضي الحكاية… حكاية رجلٍ لم يكن مجرد اسم في سجلّ العمد، ولا مجرد منصب مرَّ عليه الزمن، بل كان روحًا تمشي بين الناس، وذكرى لا تزال حيّة في وجدان كل من عرفه أو حتى سمع عنه. رحل الجسد، نعم… لكن أثره لم يرحل، وصوته الحكيم ما زال يتردّد في الآذان، وملامح وجهه البشوش لا تزال محفورة في القلوب قبل الذاكرة.


إن الرجال أمثاله لا يموتون حين يوارون الثرى، بل يموتون إذا مات أثرهم… وقد أبى الله لهذا الرجل إلا أن يبقى أثره ممتدًّا، يضيء الطريق لمن بعده، ويذكّرهم بأن القيادة ليست وجاهة، وأن المنصب ليس علوًّا، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يعطي. كان في حياته سندًا للمظلوم، وغوثًا للملهوف، وملاذًا للناس حين تضيق بهم السبل. وبعد رحيله، بقيت سيرته ملاذًا آخر… ملاذًا للأمل بأن الخير ما زال موجودًا، وأن الرجال الحقيقيين ما زالوا يولدون ويكبُرون ويحملون الأمانة جيلاً بعد جيل.


سلامٌ عليه يوم ولد، ويوم عاش بالعدل، ويوم رحل ثابتًا كما عاش كريمًا.


وسلامٌ على روحه في علياء السماء، حيث تُقدَّر المقامات لا بالمناصب، بل بخفة الأرواح ونقاء السيرة وطهارة القلوب.


رحمه الله رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجمعه بمن أحبّ في مستقر رحمته.


هذه ليست نهاية قصة… بل بداية أثرٍ يظل ممتدًا، جيلاً بعد جيل… ما بقيت السماحية وبقي أهلها يذكرون رجلًا مرّ من هنا، فترك خلفه نورًا لا ينطفئ.


google-playkhamsatmostaqltradent