معارض السيارات بين التنظيم وحفظ الحقوق
بقلم: حاتم السعداوي
تطفو على السطح في الآونة الأخيرة قضية بالغة الحساسية، تمس قطاعًا اقتصاديًا مهمًا وشريحة واسعة من المواطنين، وهي قضية غلق معارض السيارات الكائنة داخل الكتل السكنية، وهي قضية تستوجب التناول الهادئ والمتزن، بعيدًا عن أي صدام أو اعتراض، وبمنطق يوازن بين متطلبات التنظيم واعتبارات الواقع الإنساني والاقتصادي.
وانطلاقًا من الحرص الكامل على احترام القانون وتقدير جهود الدولة في استعادة الانضباط والمظهر الحضاري للشوارع، تأتي هذه المناشدة موجهة إلى السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء، لا رفضًا لمبدأ التنظيم، وإنما بحثًا عن حلول عملية متدرجة تحقق الهدف المنشود دون أن تُحدث ارتباكًا واسعًا في قطاع يعتمد عليه آلاف العاملين وأسرهم.
لقد جاء قرار نقل معارض السيارات إلى خارج الحيز العمراني أو إلى المدن الجديدة استجابة لأهداف مشروعة، في مقدمتها تخفيف التكدس المروري والحفاظ على حق المشاة، إلا أن التطبيق العملي كشف عن تحديات واقعية لا يمكن تجاهلها، في ظل عدم اكتمال جاهزية البدائل المقترحة من حيث البنية الأساسية والخدمات، فضلًا عن محدودية المساحات المتاحة مقارنة بحجم النشاط القائم منذ سنوات طويلة.
وأدى التنفيذ المفاجئ إلى توقف شبه كامل لحركة البيع والشراء، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أصحاب المعارض، وبشكل أشد قسوة على العمال والموظفين والمندوبين الذين وجدوا أنفسهم مهددين بفقدان مصادر رزقهم، دون فترات انتقالية تسمح بتوفيق الأوضاع أو إعادة ترتيب المسارات الاقتصادية والمعيشية.
كما أن عددًا كبيرًا من أصحاب هذه الأنشطة يرتبطون بعقود إيجار ممتدة، والتزامات مالية وقروض بنكية قائمة، ما يجعل الغلق الفوري عبئًا مضاعفًا، قد يزج بالبعض في أزمات قانونية ومالية هم في غنى عنها، رغم التزامهم الكامل بالقانون على مدار سنوات.
ومن هذا المنطلق، فإن الرجاء معقود على تبني مقاربة أكثر مرونة، تقوم على منح مهلة زمنية كافية لتوفيق الأوضاع، تسمح بالانتقال التدريجي والمنظم إلى المدن الجديدة، بما يضمن استمرارية النشاط وحماية العمالة وعدم الإضرار بالسوق. كما يمكن النظر في تقنين أوضاع المعارض التي لا تشغل الطريق العام، وتمتلك مساحات داخلية وجراجات، مع تشديد الرقابة وفرض عقوبات رادعة على أي تجاوزات مرورية.
ولا يقل أهمية عن ذلك تقديم حوافز حقيقية في المدن الجديدة، من خلال تسهيلات في التراخيص وتخفيضات مناسبة في أسعار الأراضي والخدمات، بما يشجع الانتقال الطوعي، ويحول القرار من عبء مفاجئ إلى فرصة منظمة لإعادة هيكلة القطاع.
إن استعادة المظهر الحضاري للشوارع هدف نبيل لا خلاف عليه، لكن التطوير الحقيقي يظل مرتبطًا بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وعدم المساس بمصادر الرزق المشروعة. فأصحاب معارض السيارات جزء أصيل من النسيج الوطني، ومساهمون في الاقتصاد، وداعمون لمنظومة الدولة، ويتطلعون إلى نظرة متوازنة تجمع بين حق التنظيم وحق العمل، في إطار من الحكمة والعدالة.

