د. الهلالي الشربيني يكتب: القبول بالمدارس الدولية في مصر.. تمييز تعليمي أم غياب للعدالة الاجتماعية؟
أستاذ التخطيط التربوي والإدارة التعليمية - جامعة المنصورة
وزير التربية والتعليم والتعليم الفني سابقًا
لم يعد الجدل حول المدارس الدولية الخاصة في مصر مجرد نقاش تربوي أو خلاف حول أنماط التعليم، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى قضية رأي عام تمس جوهر العدالة الاجتماعية، وتطرح تساؤلات عميقة حول معنى تكافؤ الفرص، وحدود الحق في التعليم، ودور الدولة في ضبط العلاقة بين السوق والعدالة.
ومن باب الوضوح، وحتى لا يزايد أحد على موقف مبدئي لا لبس فيه، فإن الاعتراض هنا ليس على التعليم الخاص أو الدولي في حد ذاته، سواء في التعليم قبل الجامعي أو الجامعي، طالما التزم هذا التعليم بثوابت الهوية الوطنية، وخضع للقواعد المنظمة، واحترم مبدأ تكافؤ الفرص. إنما الإشكالية الحقيقية تتعلق بشروط القبول التي بدأت بعض المدارس الدولية في فرضها، بما يتجاوز المنطق التربوي، ويقترب من التمييز الاجتماعي الصريح.
ومن واقعة فردية إلى سؤال مجتمعي كبير، أثارت بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا واقعة لافتة، مفادها أن أحد الرياضيين برر لجؤه إلى التزوير للحصول على شهادة جامعية، بدعوى أن بعض المدارس الدولية تشترط حصول ولي الأمر على مؤهل جامعي لقبول أبنائه. وبغضّ النظر عن إدانة هذا الفعل قانونيًا وأخلاقيًا، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالفعل الفردي، بل بالبيئة التي تدفع إليه: هل من المنطقي أن يتحول مؤهل ولي الأمر إلى تأشيرة عبور لحصول الطفل على حقه في التعليم الذي كفله الدستور؟
المؤكد أن وزارة التربية والتعليم لا تجيز مثل هذا الإجراء، لكن الأخطر أن بعض المدارس قد تلتف على القرارات الوزارية المنظمة وتمارسه فعليًا، إلى جانب ممارسات أخرى لا تقل خطورة، مثل: المبالغة في المصروفات الدراسية، وفرض مبالغ إضافية على ممارسة بعض الأنشطة، واستخدام الباص، واحتكار بيع الزي المدرسي.
ويمكن توصيف كثير من سياسات القبول في بعض المدارس الدولية باعتبارها تمييزًا تعليميًا مقنّعًا، يتخذ أكثر من صورة؛ منها التمييز الاقتصادي، حيث تصبح القدرة المالية هي المعيار الحاسم، لا مستوى الطفل ولا قدراته، مع استبعاد غير مباشر لشرائح واسعة من الطبقة المتوسطة. وكذلك التمييز الثقافي واللغوي، من خلال اشتراط إجادة الطفل لغات أجنبية منذ سنوات الطفولة الأولى، وتفضيل خريجي الحضانات الدولية، بما يُقصي طلاب التعليم الحكومي مهما بلغت كفاءتهم. فضلًا عن التمييز الاجتماعي والجغرافي، إذ تتركز هذه المدارس في المدن الكبرى، ومن ثم تعيد إنتاج "نخبة تعليمية" مغلقة اجتماعيًا، ضعيفة التنوع، بعيدة عن تمثيل المجتمع الحقيقي.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة حول هذه القضية: هل باتت الشهادة الجامعية لدينا هي المعيار الوحيد للقيمة؟ وهل مثل هذه السياسات والإجراءات معمول بها في المدارس الدولية في دول مثل : بريطانيا، أو فرنسا أو ألمانيا أو الهند أو الصين، أو غيرها من دول العالم المتقدم أو الآخذة في التقدم؟ أم أننا بصدد نموذج مصري خاص لإعادة إنتاج الطبقية عبر التعليم؟
الواقع أنه لو طُبِّقت هذه السياسات والإجراءات والمعايير عبر التاريخ المصري نفسه، لَحُرم المجتمع من رموزه الكبرى. هل كان من المنطقي أن يُقال لأم كلثوم، أو عباس محمود العقاد، أو عبد الرحمن الأبنودي، أو بيرم التونسي وغيرهم: أنتم غير مؤهلين اجتماعيًا؟ وهل من المقبول أو المعقول استبعاد أبناء محمد صلاح، أو محمود العربي، أو محمد الفايد، لأن آباءهم لا يحملون شهادة جامعية؟
إن هذه النماذج لا تنتقص أبدًا من قيمة التعليم، لكنها تؤكد حقيقة جوهرية، مفادها أن الشهادة ليست المقياس الوحيد للوعي، ولا المؤشر الحاسم للكفاءة، ولا شرطًا أخلاقيًا للأبوة الصالحة. فقد عرف المجتمع المصري، في مراحل سابقة، مسارات متعددة للحراك الاجتماعي، أما ما نخشاه اليوم فهو خطر حقيقي يتمثل في اختزال المستقبل في فاتورة المصروفات والشهادة الدراسية لولي الأمر.
وقد يدافع البعض عن المدارس الدولية باعتبارها مؤسسات خاصة تخضع لمنطق السوق وحرية الاختيار، وهو دفاع مفهوم، لكنه غير كافٍ أخلاقيًا ولا اجتماعيًا؛ فالتعليم، حتى عندما يُقدَّم في إطار خاص، يظل ذا أثر سيادي، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية التماسك الاجتماعي، ووحدة الولاء والانتماء، والهوية الوطنية، ولا يجوز أن يُترك دون ضوابط عادلة.
إن القبول بالمدارس الدولية لا يُعد مشكلة في حد ذاته، لكنه يتحول إلى تمييز تعليمي عندما يُقصي الكفاءة لصالح الثروة، وإلى غياب للعدالة الاجتماعية عندما يُكرّس الفجوة الطبقية ويعيد إنتاجها عبر الأجيال. ومن ثم بات التوازن أمرًا ضروريًا، والحل لا يكمن في المنع أو المصادرة، بل في التنظيم الرشيد، من خلال وضع معايير قبول قومية واضحة وشفافة، وإلزام المدارس الدولية بنِسَب حقيقية للمنح الاجتماعية، وتشديد الرقابة على المصروفات والرسوم الإضافية، وربط التعليم الدولي بالمسؤولية المجتمعية، إلى جانب تحسين جودة التعليم الحكومي لتقليص الفجوة بدلًا من تعميقها
إن أخطر ما قد يواجه أي مجتمع هو أن يتحول التعليم من أداة للحراك الاجتماعي إلى وسيلة للفرز الطبقي. وإذا أُغلق باب التعليم المتميز أمام الكفاءة، وفُتح فقط أمام القدرة المادية، فإننا لن نخسر أبناء اليوم فحسب، بل سنخسر مستقبل الوطن ذاته، انطلاقًا من أن التعليم العادل ليس رفاهية، بل شرط أساسي لبقاء الدولة قوية، ومتماسكة، وقادرة على التقدم.
