رحيل بلا وداع
بقلم: حسن سليم
بدأت صورة المجتمع تتغير شيئا فشيئا، حتى صارت حوادث مأساوية مثل موت مسنين في منازلهم دون أن يشعر بهم أحد، حدثا مألوفا، على عكس ما كان يحدث قبل عقود قليلة، عندما كانت العلاقات بين الجيران والأقارب أقوى من أي شبكة رقمية أو هاتف محمول.
الحكايات التي تصدمنا اليوم هى انعكاس لتفكك أعمق في النسيج الاجتماعي.. فالأسرة التي كانت عماد المجتمع وأساس التربية والمودة أصبحت هشة، والعلاقات بين الأقارب باتت محدودة بالزيارات السطحية أو المناسبات القليلة.. والثقافة السائدة اليوم تمجد الفردية والمصلحة الشخصية، وتضع المادة فوق كل شيء، بينما تراجع دور القيم الدينية والأخلاقية التي كانت تربط بين الناس.
قصة المسن في طنطا هي نموذج صارخ لما نعانيه.. ففي عمارة قديمة في أحد أحياء المدينة، توقف المستأجر عن دفع الإيجار منذ عام 2022، وبطبيعة الإجراءات القانونية، رفعت صاحبة الشقة قضية لاسترداد حقوقها، وهو أمر عادي وبسيط، لكن المفاجأة كانت عند فتح الشقة، حيث اكتشفوا أن الرجل المسن قد فارق الحياة منذ ثلاث سنوات، مختبئا بين جدران منزله دون أن يشعر به أحد.. لم يكن هناك جار يسأل عنه، ولا صديق يتفقده، ولا قريب يزور منزله، وكان الأشد ألمًا أن أشقاءه رفضوا تسلم الجثمان لدفنه، وكأن الروابط التي تربط الإنسان بأهله قد ذهبت مع الريح.
هذه المأساة تحمل أكثر من رسالة، فهي تطرح سؤالاً مؤلمًا، هو كيف وصلنا إلى هذا الانعزال الكامل، إلى أن يعيش الإنسان في هذا العالم وحيدًا حتى نهاية حياته؟ هذا الانفصال عن المجتمع لا يصيب المسنين فقط، بل يعكس أزمة أخلاقية وإنسانية كبيرة تؤثر على جميع الفئات العمرية.. فعندما نضع المادة فوق القيم، ونغلق قلوبنا أمام معاناة الآخرين، نصبح مجتمعًا هشا يفتقد الرحمة والضمير.
والحل لا يكمن في التكنولوجيا أو في تطوير المدن فقط، بل في إعادة بناء شبكة العلاقات الإنسانية.. فيجب أن تعود الأسرة إلى دورها الطبيعي كحاضنة للرحمة والدعم، وأن تتعزز أواصر الجيرة والصداقة، وأن نربي أنفسنا وأطفالنا على الاهتمام بالآخرين، والاطمئنان على بعضنا البعض. فزيارة قصيرة، أو مكالمة هاتفية، أو مجرد سؤال عن أحوال مسن وحيد، قد تكون الفارق بين حياة وعزلة، بين دفء الإنسانية والبرود الاجتماعي.
كما ينبغي أن يتبنى المجتمع مؤسسات دعم المسنين، ويعمل على مراقبة الحالات التي تعاني الوحدة الشديدة، ليصبح الفرد جزءًا من منظومة اجتماعية متكاملة، لا يترك وحيدًا بين جدران منزله.. وبرامج التوعية والجمعيات الخيرية وروابط الجيران يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في حماية كبار السن من هذا المصير القاسي، وتعيد لنا قيم الرحمة والمودة التي بدأت تتلاشى.
حوادث مثل وفاة المسن في طنطا ليست مجرد أخبار صادمة، بل دعوة صريحة لنا جميعًا لإعادة النظر في حياتنا، لإحياء روح التضامن والرحمة، وللتأكيد أن المجتمع لا يمكن أن يعيش بشكل صحي إلا بترابطه وقيمه الإنسانية.. فالوحدة ليست مصيرا محتوما، والحياة لا تقتصر على المال أو المادة، بل بالحب والاهتمام والرحمة المتبادلة، وهذه القيم هي التي تبقي الروابط الأسرية والاجتماعية متينة، وتمنع أن يصبح أي منا وحيدا حتى في نهاية أيامه.
هذا المقال ليس تحذيرًا فقط، بل هو نداء لكل إنسان ليعيد اكتشاف معنى الارتباط بالآخرين، فالرحمة لا تقتصر على الأقارب أو الجيران، بل تشمل كل من يمكن أن يحتاجنا في صمت، ليظل مجتمعنا إنسانيا قبل أن يكون حديثا أو متطورا.
