recent
عـــــــاجــــل

«ذوْبُ العشق».. بقلم: سعيد المنزلاوي

 

«ذوْبُ العشق».. بقلم: سعيد المنزلاوي

«ذوْبُ العشق».. بقلم: سعيد المنزلاوي



 رسمتََها حلمًا جميلًا يداعب روحك الهاربة من هجير الحياة. 

 أبدعتَها نغمًا شجيًّا، مس شغاف نفسك الأسيانة الثكلى.

 وما بين الوعي واللاوعي، كنتَ تحياها خيالًا، سحرًا، يأسرك فلا سلطان لامرأة غيرها عليك.

 كانت تسري كالنسيم العليل عبر أوصالك؛ فتدغدغ في بقايا الراح كل ما دونها قد راح.

 قلتََ لها يومًا: لا ترحلي؛ فترحل خلفك كلُّ الأماني العِذاب.

 قالت لك في حماسة طفلة مدللة: فلتزعجني برسائلك؛ فإنني أحبها.

 ومن يومها، وأنت تمطرها بوابل من رسائل الواتساب والماسنجر، بمناسبة وبغير مناسبة.

  كنتَ تحكي لها عن تفاصيل يومك، عن حلمك، عن قلقك، حتى عن تفاهاتك الصغيرة، عن شجارك مع بائع الخضراوات وبائع الفاكهة.

 وكانت منصتة جيدة لكل ما تسرده عليها، وما بين حكاية وحكاية، يفتر ثغرها عن بسمة آسرة، تجعلك تتيه في عالم من السحر والدلال، وكنت تزيدها سردًا وتزيدك ابتسامًا.

 حتى عندما كنت تبثها مخاوفك، كانت صادقة معك كمرآتك المصقولة.

 قلتَ لها يومًا: أخشى أن أحدق في الأشياء التي أحبها، ولا ألمسها.

 شردتْ قليلًا، وراحت تتأمل قرص الشمس الراحل نحو المغيب، ثم عادت وهي تحمل بين ثناياها تلك النبوءة المتشحة بالسواد: مثل أية رواية مبتذلة؛ ستترك حبيبتك ـ يومًا ما ـ وتتزوج من امرأة مألوفة؛ امرأة لا تقرأ الشعر، بل ستستهين بك لو أهديتها قصيدة.

 كان صوتها متهدجًا، وإن جاهدت أن تمسك بتلابيب تلك الدموع الحارة التي تسللت إلى محجريها؛ لكنها انفلتت بالرغم عنها؛ لتشي بمخاوفها؛ فلم تكن تتصور بأن تكون لغيرك، أو تكونَ لغيرها، ولكن القدر كان له رأي آخر.

 ومرت الأيام التالية نشوى من الخدر، حتى انتبهتَ على خبر زفافها من رجل، كل مزاياه أنه ثري. كان يمكنك أن تحارب من أجل أن تستبقيها، ولكنك كنت أضعف من بعوضة.

 مرت بضعة أشهر كنت فيها تتقلب على الجمر، جاهدت أن تنساها، فلم تستطع، ثم قبلتَ بأول امرأة رشحوها لك.

 سيان عندك سائر النسوة، كنت تريد أن تشفى من حبها بامرأة تحل محلها وكفى. هكذا صورت لك نفسك، أو أوهمت أنت نفسَك.

 ما أصعب أن تُجبر نفسك على تجاهل إنسان كان يعني لك العالَم بأسره. وأن تعجز عن الاحتفاظ بمن ينطق اسمك، وكأنه يصف مكانًا آمنًا.

 لقد أدمنتَ السهر مذ عرفتها، وكان الليل سمير أحاديثكما التي لا تنتهي.

 جفاك النوم ليلتك تلك، نظرت إلى زوجك، كانت تغط في نوم عميق. حسدتها؛ كيف استطاعت أنت تنام بالقرب من ضجيج ذكرياتك الصاخبة! أملت رأسك للوراء، وأجفل جفنك الساهر.

 قالت لك حبيبتك ذات يوم: عندما نتزوج، لن أستطيع النوم قبلك.

 سألتها: ولم؟ 

 قالت: حتى لا أُضيع على نفسي فرصة النظر إليك بعمق وأنت نائم بين يديَّ كالطفل الوليد.

 منحتها قبلة على جبينها، فتوسدت راحتيك. انتبهت على أنفاس زوجك العالي، كان ذلك في صالحك؛ لأنها لن تسمعك عندما تنادي باسم حبيبتك، وأنت نائم.

 حاولت أن تطوق زوجك، تضمها إلى صدرك، كنت تريد أن تتسلل إلى قلبها؛ لعلك تنسى بها حبيبتك الغائبة. لكنها اكتفت بأن نامت على كتفك الأيمن. 

 مسكينة؛ لم تعرف أن أيسر الاتجاهات أجملها، حسبه أنه موطن القلب، ولكنها كانت تخشى الاقتراب منه، خشية أن يوقظها نبض قلبك. 

 سبقتَ بزوغ الفجر، وتسللت إلى مكتبتك، والتقطت كتابًا، نظرتْ إليك شزرًا، واستنكرتْ صنيعك؛ لم تكن تعرف أن القراءة سفر بعيد، والكتابةَ أشبه باعتراف مذنب لقس، وكلاهما يحتاج إلى مكان صغير معبَّأ بالهدوء وبالموسيقا. 

 كانت ترى كل شاماتك سوداء، بينما حبيبتك ليست كذلك، بل إنها كانت تتعمد ارتكاب الأخطاء بلذة مَن يعشق بشغف لا يعرفه إلا من جربه وذاقه. وكنتَ تعشق هذا الحبَّ، ولكنه كان أملًا، والأمل الذي لا نهاية له، هو اليأس الحقيقي.


google-playkhamsatmostaqltradent