اتفاقية التعاون الدفاعي بين المغرب وإثيوبيا وانعكاساتها الإقليمية
بقلم: حاتم السعداوي
في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي في القارة الإفريقية، وتداخل الملفات السياسية والأمنية، أثار الإعلان عن توقيع اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي بين المملكة المغربية وجمهورية إثيوبيا اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية العربية، لا سيما في مصر، التي تخوض منذ سنوات مسارًا تفاوضيًا شائكًا يتعلق بملف سد النهضة والحفاظ على حقوقها المائية في نهر النيل.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، ما يدفع إلى قراءة هادئة لأبعادها ودوافعها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وبما يراعي طبيعة العلاقات المتشابكة بين الدول، والتي تحكمها في الأساس اعتبارات المصالح الوطنية.
توقيت الاتفاقية وسياقها السياسي
يثير التقارب المغربي الإثيوبي تساؤلات مشروعة حول خلفياته، إلا أن تحليل السياق العام يشير إلى جملة من العوامل التي قد تفسر هذا التوجه. فالمغرب يسعى منذ سنوات إلى توسيع حضوره في العمق الإفريقي، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، في إطار استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز النفوذ داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
في المقابل، تمثل إثيوبيا أحد الفاعلين الرئيسيين في شرق إفريقيا، وتحرص على بناء شبكة علاقات دفاعية مع عدد من الدول، في ظل بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار وتعدد التحديات الأمنية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاتفاقية باعتبارها جزءًا من سياسة تبادل المصالح، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه الاستراتيجية، دون أن يعني ذلك بالضرورة استهداف طرف ثالث.
العلاقة بين الاتفاقية وملف سد النهضة
بالنسبة للقاهرة، يظل أي تعاون عسكري أو سياسي مع إثيوبيا محل متابعة دقيقة، نظرًا لحساسية ملف سد النهضة وتأثيره المباشر على الأمن المائي المصري. ومع ذلك، فإن طبيعة الاتفاقية المعلنة، والتي تركز على التعاون الدفاعي والتدريب وتبادل الخبرات، لا تشير حتى الآن إلى تحول نوعي في ميزان القوى أو إلى دعم عسكري مباشر لموقف إثيوبيا التفاوضي.
ويبقى من المهم التمييز بين الرمزية السياسية للاتفاقيات، وبين تأثيرها الفعلي على الملفات الخلافية، خاصة أن العديد من اتفاقيات التعاون الدفاعي في إفريقيا تأخذ طابعًا عامًا ولا تصل إلى مستويات تحالف استراتيجي كامل.
التضامن العربي وحدود البراغماتية
لطالما شكلت العلاقات المصرية المغربية نموذجًا للتقارب والتنسيق في العديد من القضايا العربية والإفريقية. غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة دفعت كثيرًا من الدول إلى تبني سياسات أكثر براغماتية، تقوم على تنويع الشركاء وعدم حصر العلاقات في إطار ثنائي أو تقليدي.
وفي هذا السياق، قد يُفهم التحرك المغربي باعتباره انعكاسًا لرؤية مستقلة لإدارة المصالح الوطنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعًا عن العلاقات التاريخية مع مصر أو تقويضًا لأسس التعاون المشترك.
مستقبل العلاقات بين القاهرة والرباط
من المرجح أن تمر العلاقات المصرية المغربية بمرحلة مراجعة هادئة، تسعى خلالها الأطراف إلى توضيح المواقف وتجنب أي سوء فهم. فالقنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، والحرص المتبادل على استقرار العلاقات يشكل عاملًا مهمًا في احتواء أي تداعيات محتملة.
وقد تتجه القاهرة إلى تعزيز الحوار المباشر مع الرباط، بهدف التأكيد على ثوابت الموقف المصري في ملف المياه، مع العمل في الوقت ذاته على الحفاظ على التوازن في علاقاتها الإقليمية، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
إن اتفاقية التعاون الدفاعي بين المغرب وإثيوبيا تعكس ديناميكيات جديدة في المشهد الإفريقي، حيث تتشابك المصالح وتتعدد مسارات التعاون. وبينما تثير هذه الخطوة تساؤلات مشروعة في القاهرة، فإن التعامل معها يتطلب قراءة هادئة وواقعية، تقوم على الدبلوماسية الفاعلة، وتقدير المصالح المتبادلة، والسعي إلى الحفاظ على استقرار العلاقات العربية في ظل بيئة إقليمية بالغة التعقيد.
