اليمن وإدارة الصراع الإقليمي: قراءة سياسية واستشرافية في إعادة التوازن ومنع التفكك
د. فايزة خطاب
دكتوراه التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية
باحثة في العلوم السياسية والشؤون الدولية
لم تعد الأزمة اليمنية تُقرأ في إطار صراع داخلي تقليدي قابل للحسم السريع، بل باتت نموذجًا مركبًا لأزمات الدولة الوطنية في بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها حسابات النفوذ مع اعتبارات الأمن القومي، وتغيب فيها الحلول الحاسمة لصالح سياسات الاحتواء وإدارة المخاطر. ويعكس المشهد الراهن إدراكًا متزايدًا بأن انهيار الدولة اليمنية سينعكس اثره إقليميًا ودوليًا ما لم يتم تدارك الموقف واحتوائه.
تشير تطورات الصراع إلى أن اليمن لم يعد ساحة مواجهة ثنائية، بل مساحة مفتوحة لتفاعل فاعلين من دون الدولة مع مشاريع إقليمية تنافسية. فقد تحولت جماعة الحوثين من حركة ذات مطالب داخلية إلى فاعل مسلح مرتبط بأجندة إقليمية، وهو ما أسهم في إعادة توصيفها دوليًا كتهديد مباشر لأمن الدولة اليمنية واستقرار الإقليم، خاصة في ظل حساسيات البحر الأحمر وباب المندب.
في المقابل، أسهم اعتماد بعض القوى الجنوبية على القوة الميدانية بدل العمل السياسي والمؤسسي في إضعاف فرص بناء شرعية مستقرة، وفتح المجال أمام سيناريوهات التفكك إلى كيانات مسلحة متنازعة، وهو ما يمثل الخطر الأكبر على الأمن الإقليمي، نظرًا لارتباطه بأمن الممرات الملاحية والتوازنات والإستراتيجية في جنوب الجزيرة العربية.
ضمن هذا الإطار، تعكس التحركات داخل التحالف العربي توجهًا نحو إعادة ضبط التوازن داخل الاقليم لا بهدف التخلي عن الأهداف. فالتحولات في الدور الإماراتي تُفهم باعتبارها تعديلًا في أدوات التأثير وتقليلًا لكلفة الاستنزاف، دون مساس بالثوابت المرتبطة بوحدة اليمن ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. كما يعكس التحرك السعودي الأخير حرصًا على ضبط مسار الصراع ومنع فرض وقائع ميدانية بالقوة، انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي المباشر ورفض إنتاج كيانات هشة على حدوده الجنوبية.
تتحرك مصر وفق ثوابت سياستها الخارجية، معززة وحدة اليمن وسلامة أراضيه ورافضة أي تصعيد، ومتمسكة بالحل السياسي الشامل. وتعتمد القاهرة في إدارة الأزمة على عقل الدولة الإستراتيجي، مدركة أن تفكك الدولة اليمنية لصالح الفاعلين المسلحين يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي والمصري، وأن الحفاظ على استقرار البحر الأحمر وباب المندب يشكل أولوية إستراتيجية قصوى لضمان الأمن الإقليمي.
استشرافيًا، يبدو أن المشهد اليمني يتجه نحو استمرار حالة إدارة الصراع بشكل متوازن، حيث تفضّل القوى الفاعلة سياسات الاحتواء، وإعادة الضبط، وتقليل مستويات التصعيد، انتظارًا لتبلور تسوية سياسية تتوافر فيها شروط الاستدامة. وستظل وحدة اليمن المرجعية الواقعية لأي مسار مستقبلي، ليس بوصفها خيارًا مثاليًا، بل باعتبارها ضرورة أمنية إقليمية تفرضها طبيعة التوازنات في البحر الأحمر ومحيطه.
إن الأزمة اليمنية اليوم ليست مجرد صراع محلي، بل مقياس حقيقي لقدرة الإقليم على إدارة خلافاته دون الانزلاق نحو الفوضى والتفكك. وتظهر التحركات الإماراتية لإعادة توزيع الأدوار، والضبط السعودي لمسار الصراع، والموقف المصري المبني على إستراتيجية الدولة الوطنية، نموذجًا لإدارة الأزمة بعقلانية وتوازن. ويظل الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية واستقرار الممرات الملاحية شرطًا أساسيًا لاستقرار الإقليم بأكمله، مؤكّدًا أن أي خيار غير مدروس قد يتحول إلى تهديد استراتيجي للمنطقة بأكملها وينعكس أثره على الشرق الأوسط والخليج العربي.
