recent
عـــــــاجــــل

السويس مدينة كتبت تاريخها على أوتار السمسمية

 

السويس مدينة كتبت تاريخها على أوتار السمسمية


السويس مدينة كتبت تاريخها على أوتار السمسمية


بقلم: السيد أنور


ليست السويس مجرد نقطة على الخريطة أو ميناء تعبره السفن في طريقها بين القارات، بل هي حكاية عشق قديمة، مدينة صاغت ملامحها من ملح البحر ورمل الصحراء، واحتفظت في قلبها بتاريخ لا يشيخ وكبرياء لا ينكسر. هنا، لا تكون غريبًا مهما كانت خطاك الأولى مترددة، فالسويس تعرف كيف تضم القادم إليها كأنه واحد من أبنائها، وتمنحه من هوائها ما يكفي ليشعر أن الروح وجدت مستقرها.


منذ اللحظة الأولى، لا تستقبلك السويس بجغرافيتها بقدر ما يفتح لك التاريخ ذراعيه. رائحة البحر الممزوجة باليود تتسلل إلى الأنفاس، وصوت السمسمية يتردد كأنّه ذاكرة حيّة، كانت أوتارها يومًا ما سلاحًا معنويًا يروي حكايات الصمود والكرامة. بين زرقة الخليج الهادئة وصلابة جبال الجلالة وعتاقة، تتشكل لوحة ربانية نادرة، تناقض بصري يمنح النفس سكينة خاصة، ويجعل المكان أشبه بمشهد سينمائي لا يملّ.


وعلى ضفاف القناة، تمر السفن العملاقة كجبال عائمة، تشق المياه في صمت مهيب، حاملة معها قصص الشرق والغرب، في مشهد لا يتكرر إلا هنا. السويس وحدها تعرف كيف تجمع هذا العالم المتناقض في لحظة واحدة، صخب الحركة وهدوء التأمل، سرعة العبور وثبات التاريخ.


لهواء السويس طقس خاص، لا يشبه سواه. هو مزيج نادر بين نقاء الصحراء واندفاع البحر، يجعل المشي على الكورنيش وقت الغروب تجربة أقرب إلى طقس للشفاء النفسي. الشمس وهي تميل نحو الأفق ترسم خيوطها الذهبية على صفحة الماء، والنسيم البارد يلامس الوجوه كرسالة طمأنينة، فيشعر الزائر أن الزمن أبطأ خطاه احترامًا لهذا الجمال.


ويبقى أهل السويس هم جوهر الحكاية وروح المكان. السوايسة أبناء الأرض الصلبة، استمدوا شموخهم من الجبال وصبرهم من مدّ البحر وجزره. في ملامحهم بساطة وصدق، وفي ضحكاتهم شهامة موروثة عن أجداد جعلوا من مدينتهم سدًا منيعًا في وجه الغزاة، فاستحقوا عن جدارة لقب أرض البواسل. كرمهم ليس ادعاءً، بل سلوك يومي يتجلى في مائدة سمك طازج، وفي جلسات سمر لا تخلو من حكايات البطولة وحب الأرض.


السويس مدينة تعرف كيف تجمع الأضداد في تناغم فريد؛ هي صخب الموانئ وهدوء الفجر، هي عرق العمال في المصانع وسكينة الصيادين في عرض البحر. ستظل درة الشرق والقلب النابض لمصر على ضفاف القناة، مدينة إذا دخلتها غريبًا خرجت منها محمّلًا بذكرى لا يمحوها الزمن، وبشعور عميق بأنك تركت جزءًا من قلبك هناك، حيث يغني البحر وتحرس السمسمية التاريخ.


google-playkhamsatmostaqltradent