recent
عـــــــاجــــل

أسماء الأباصيري تكتب: قفص من حديد وقلوب من صخر

 

أسماء الأباصيري تكتب: قفص من حديد وقلوب من صخر

 أسماء الأباصيري تكتب: قفص من حديد وقلوب من صخر



اليوم، وقفت حرفياً أمام الشاشة وأنا أقرأ قصة سارة.

يدي توقفت عن الحركة، وعيناي تعلقان في السطور، وقلبي انكمش.

“سارة”،مجرد اسم بسيط لفتاة كانت يمكن أن تكون جارتنا، صديقة أبنتي، طالبة في فصل بناتنا.

القصة بدأت بطلاق عادي، لكنها تحولت إلى جريمة غير عادية.

أب وأم انفصلا، وكل منهما كان ينظر إلى سارة ليس كابنتهما، بل كسلاح في معركة ضد الطرف الآخر.

حتى استقرت سارة عند أبيها، وهناك تحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق.

الضرب كان البداية، ثم الإهانة، ثم ذلك القفص الحديدي في غرفة مغلقة.

تخيلوا معي: قضبان حديدية، وحفرة في الأرض، وطفلة مربوطة من رجلها بالحائط.

هذا ليس مشهداً من فيلم رعب، بل هو ما عاشته سارة حقيقة لمدة عام كامل.

عام كامل! 365 يوماً من الظلام، من الجوع، من العطش، من الصمت.

عام كامل وهي تسمع صوت الحياة خارج الجدران، صوت الأطفال يلعبون، صوت الباعة ينادون، صوت الحياة التي كانت تمضي وكأن لا شيء يحدث.

وأمها،كانت تتصل وكان يرد عليها بأن سارة مشغولة، أو نائمة، أو خارجة.

ولم تذهب ولو لمرة واحدة لترى بعينيها، لتحضن ابنتها، لتتأكد صدقت الأكاذيب، أو ربما اختارت أن تصدق.

حتى ماتت سارة، جاء أبوها بجثتها الهزيلة إلى الوحدة الصحية وقال كلمة تدمي القلب: "ماتت لوحدها".

لكن ربنا لم يتركها الطبيب شك في الأمر، ونقل الجثة، وانكشفت الحقيقة المروعة: طفلة هزيلة لم تأكل ولم تشرب، وماتت من الجوع والعطش والإهمال في القرن الحادي والعشرين.

أسألكم: كيف ينام رجل وهو يعلم أن ابنته في قفص؟ كيف لا تزور أم ابنتها لمدة عام؟ كيف يعيش جيران بجوار هذه الجريمة ولا يتحركون؟

أنا أكتب هذه الكلمات وأنا أعرف أن سارة لن تعود لكني أكتبها لأنني أرفض أن تمر هذه القصة وكأنها مجرد خبر.

أرفض أن نقرأ ونتألم ثم ننسى سارة تذكرنا بأن الإنسانية ليست كلمة نرددها، بل هي فعل نقدم عليه عندما نسمع صوت استغاثة، عندما نشك في ظلم، عندما نرى طفلاً يحتاج إلى حماية.

قد يقول البعض: وهل نتدخل في شؤون الناس؟ وأقول: نعم، عندما يكون هذا "التدخل" هو الفارق بين الحياة والموت لطفل بريء.

عندما يكون هذا "التدخل" هو ما يميزنا كبشر عن الحجارة.

سارة رحلت، لكن ذكراها يجب أن تبقى، في ضمير كل أب وأم، في مسؤولية كل جار، في يقظة كل مجتمع.

يجب أن نكون أفضل مما كنا عليه، لأجل كل "سارة" أخرى قد تكون تعاني في صمت في مكان ما.


google-playkhamsatmostaqltradent