«رحيل» بقلم: سعيد المنزلاوي
تسمَّرت عيناها.. هكذا كانت كلما جمعنا حديث أو مكان، تعلق عينيها بي، وتثبتهما، فلا تحولها عني؛ حتى أغيب عن عينيها.
كثيرًا ما كنت أشعر بالحرج، خاصة، حين ينضم إلينا البعض، ولكن كانت تغمرني في الآن نفسه نشوة سكرى من الحب، لا أقدر على وصف جمالها.
كانت عيناها سمراوين، أستطيع أن أرى على صفحتهما صورتي في وضوح وجلاء.
كنت أسبقها بخمس عشرة سنة، ولكنها استطاعت أن تذيب ذلك الفارق الكبير في العمر، فلا نشعر إلا وكأننا توأمان.
تلاحمت روحانا واتحدت مذيبة ذلك الفارق في العمر والعقل. كانت تهتم بتفاصيل حياتي كأم رءوم، وتتابع أخباري كأب رحيم.
قالت لي في إحدى المرات: سأنتظرك، ولو في آخر العمر.
يومها كنت قد تزوجت، وبعد طول انتظار ورفض تزوجت هي. صرت أبًا، وصارت هي أمًّا.
مضت سنوات انقطعت فيها أخبارها عني. شغلتني الحياة، الأسرة، الزوجة، الأولاد، العمل....
لم يكن حالي على ما يرام. بعد سنوات من الزواج توفيت أمي الحبيبة، ولحق بها أبي بعد أشهر معدودات، كأنهما كانا على لقاء.
كنت أشعر بغربة شديدة، لا سيما وأن ثمة تنافر بيني وبين مَن تشاطرني يومي وتقاسمني شئون حياتي؛ ما جعلني أحن لماضٍ تولى.
أرقامها القديمة لم تعد تعمل؛ فرحت أبحث عنها عبر مواقع التواصل الفيسبوك، تويتر، انستجرام.. جربت أكثر من اسم، لم أصل إليها .. كل ما أعرفه عنها أنها سافرت إلى زوجها إلى إحدى المحافظات البعيدة.
ترى كيف حالها الآن؟ بالرغم من أنني أتمنى لها السعادة، إلا أنني كنت أتمنى أن لو كانت زوجتي.
مرت الأيام كئيبة باردة كسماء فصل الشتاء، وانهمكت في العمل أكثر، وحققت نجاحات كثيرة، لم يكن لها أي طعم؛ فلم تكن شريكة حياتي تشاطرني فرحة نجاحي، بل كانت ـ دومًا ـ تثبط من عزيمتي، وتهون من شأن نجاحي، وظل هذا دينها دومًا.
كان هناك تكريم لي على إنجازاتي في الشركة التي أعمل بها، طلبت من زوجتي أن تحضر هي والأولاد، لكنها أبت. وانضم إليها أولادها طوعًا أو كرهًا، ومن هنا بدأ الإعلان الرسمي عن الانفصال النفسي والعاطفي، وبدأت إجراءات الانفصال، والتي استغرقت ثلاث سنوات قضيتها بين المحاكم ومكاتب المحامين ومجالس المرضين و... إلخ.
خلال تلك السنوات زاد اشتياقي إلى تلك العينين السمراوين، واللتين كنت أطالع في صفحتهما الرائقة صورتي في وضوح وجلاء.
إلى أن جاء يوم انتدبتني الشركة التي أعمل بها إلى السفر إلى فرعها بمحافظة ساحلية لمتابعة نقل بعض الشحنات، وكان عليَّ أن أقضي أسبوعًا كاملًا، وفي اليوم الأخير شعرت بوعكة صحية؛ نقلت على إثرها إلى إحدى المستشفيات هناك، أجريت بعض التحاليل، وبت ليلة في إحدى الغرف، وفي الصباح قمت بالتريض في حديقة المستشفى، وعندما شعرت بالبرودة عدت أدراجي إلى غرفتي، وقبل أن أدلف إلى الغرفة، رأيتها، نعم رأيت صاحبة العينين السمراوين، كانت على سريرها يقودونها إلى غرفة العمليات، تسمرت قدماي؛ فلم أستطع الحركة.
- ما بها؟ ما بها؟
هتفت بتلك الكلمة، فلم يجبني أحد، كان الجميع يجرون نحو غرفة العمليات الأطباء والممرضات، كان الأمر جلل، وكاد قلبي أن ينخلع من مكانه.
مرت عليها في غرفة العمليات خمس ساعات، مرت عليَّ دهرًا، انساب خلالها شريط الذكريات. وكنت من آن لآخر أبتهل إلى الله عز وجل أن يشفيها.
علمت من إحدى قريباتها أنها أرملة، مات عنها زوجها وترك لها ثلاثة أولاد وبعض القراريط تعولهم منها.
في صباح اليوم التالي سمحوا لنا بالزيارة، التقت عيوننا لأول مرة بعد عقد ونصف من الزمان، لكن لا تزال عيناها السمراوان ـ كما كانتا ـ واحة فيحاء أرى في صفحتها الناصعة صورتي، غير أن الزمن قد ترك على صفحة وجهها بعض لمساته الجافة.
لم تصدق عينيها، كما لم أصدق نفسي، وعجبت، كيف ساق لي القدر هذا السفر وهذا الألم الذي ألمَّ بي من أجل أن أراها من جديد، بالرغم من محاولاتي السابقة للعثور عليها، والتي باءت جميعها بالفشل.
كان عليها أن تقضي عدة أيام في المستشفى تحت ملاحظة الأطباء.
ودعتها على وعد بالتواصل، وحزمت حقائبي، وعدت إلى بلدي، أعني - غربتي - من جديد، ولكن أصبح لي مؤنس من حب قديم، بدأ يتسلل بشعاعه الفضي إلى قلبي، فيبث فيه نبضًا وحياة.
كنت أقضي أغلب ساعات الليل في الحديث معها، لاسيما وقد عادت إلى بيتها وراحت تتماثل للشفاء، أو هكذا أخبرتني أنها بدأت تستعيد عافيتها من جديد.
حتى جاء يوم لم يصلني منها أي اتصال، اتصلت بها كثيرًا، كان هاتفها مغلقًا، ساورني القلق عليها، وزاد عندما مر يومان لم ترد عليَّ، هل تكون قد تعبت مرة أخرى فذهبوا بها إلى المستشفى؟ اتصلت بإدارة المستشفى، أخبروني أنها لم تأتِ. حزمت حقيبتي وسافرت حيث تقطن، وقدت قدماي لأول مرة إلى مسكنها. كان ثمة جمع من الرجال والنسوة المتشحات بالسواد حول بيتها، دق قلبي بشدة، جاهدت أن أطرد تلك الوساوس التي ساورتني لحظتها، ما إن اقتربت من جمع الرجال؛ حتى نهضوا، صافحتهم، ردوا عليَّ "البقاء لله"، هويت على أول مقعد، منكس الرأس، قد تجمدت الدموع في عيني، عندما اتفض الجمع، سمحت للدموع أن تفيض؛ لعلها تنزل عليها بردًا ورحمة وسلامًا.
