رحيل المساء.. قصة قصيرة
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
كنا نجلس على النجيل الأخضر، نتأمل الخضرة وننصت في خشوع إلى خرير الماء، يتدفق من الساقية، والتي تئن، وهي تمنح الماء إلى النبات الظامئ، عبر قناة ضيقة؛ فتنشر الخضرة والبهجة والنماء.
كانت صديقتي، صامتة، حزينة، تتأمل الساقية، وتنصت في حزن لأنينها الشجي.
التفتت نحوي، ثم قالت:
- هل تعلمي أني تائهة؟
نظرت إليه مندهشة، فأردفتْ
- تائهة من نفسي.
فزاد الأمر تعقيدًا بالنسبة لي، فنظرت إليها مستفهمة، فقالت، وهي تطالع قرص الشمس الدامي، وهو يتفتت في الفضاء مؤذنًا بالمغيب:
- ما بقي من نفسي، مثل ما بقي من هذا القرص.
وأشارت إلى الشمس الراحلة.
رددت بصري بينها وبين قرص الشمس، كان ثمة تشابه بينهما جد كبير، كانت ذابلة كزهرة انتزعت قهرًا من غصنها الوريف.
تحسست كفيها، كانا باردين كأيدي الموتى، احتويتهما بين كفيَّ؛ كي أمنحهما بعض الدفء. نظرت إليَّ شاكرة، وهوت على كفيَّ تلثمهما.
كانت أنفاسها حارَّة حارقة، وشت بأجيج النار في صدرها المكلوم.
سألتها:
- بم تشعرين؟
رفعت إليَّ عينين نديتين بالدموع، وتمتمت:
- صرت غريبة عن نفسي.
مسحتْ بكفيها دمعة سقطت ـ رغمًا عنها ـ على كفي، فزدت قبضًا على كفيها. ثم قالت في ضراعة:
- حتى وأنا بجانبك تشعرين بالغربة!
هوت رأسها على النفي، ثم هتفت كالملدوغ:
- ولكني أشعر بالخوف.
- خوف! مم؟
- من كل شيء.
ثم قطبت جبينها، فوشت تعرجاته عن عمرها، والذي جاوز الأربعين. كانت أرملة، رحل زوجها بعد صراع مع المرض مخلفًا لها الوحدة والفراغ، فلم تكن تنجب.
كانت الشمس قد غابت، فاحتوت كفيَّ بين يديها؛ كأنما تبحث عن مرفأ آمن تختبئ فيه.
سألتها:
- ما أكثر شيء يخيفك.
قالت، وهي تنظر بوجل إلى حيث غربت الشمس.
- قدوم الليل يخيفني. يبعث في نفسي شتى الوساوس والظنون.
سرتْ في جسدها قشعريرة؛ فأحكمت شد المعطف عليها. أشرت عليها أن نقوم، أومأت برأسها موافقة. وسارت ملاصقة لي، كأنما تستمد مني الدفء والأمان، ثم لفَّنا الظلام بثوبه الصفيق، في ليلة غاب عنها القمر. وسرنا حذو أشجار الصفصاف العتيقة.
طلبت مني أن نتوقف قليلًا، وراحت تتأمل أغصان شجرة الصفصاف، وهي تترامى في خشوع في النهر. ثم قالت في حزن:
- كم أرثى لشجرة الصفصاف، كيف تتحمل أغصانها برودة الماء والصمود في مواجهة البرد والرياح القاسية؟
قلت لها، وقد وعيتُ ما تعنيه:
- ومع ذلك تقف صامدة، شامخة.
رمقتني بعينيها الخضراوين، واللتين تشبهان واحة فيحاء فرحت أطالعهما وأتفرس فيهما، لعلني أقرأ فيهما بعض ما تخفيه عني.
لما أحستْ بي، غضت طرفها، وابتسمت، ثم تابعنا المسير.
كانت أزقة القرية ضيقة، والبيوت متقاربة، ما يجعلك تشعر بالدفء والحنين معًا.
ودعتها على وعد أن أتصل بها لأطمئن عليها. ثم حثثت الخطا إلى بيتي، وانشغلت مع الزوج والأولاد، أغلقت الهاتف ونمت، ونسيت أن أتصل بها.
عندما استيقظت في الصباح، وفتحت الهاتف، انهالت عليَّ عشرات الرسائل منها، والمكالمات الفائتة.
أسرعت بالرد عليها، ولكن هاتفها كان مغلقًا. اتصلت عليها أكثر من مرة، ولكن دون جدوى.
انهمكت فترة الضحى في أعمال المنزل اليومية، ثم جلست لأستريح، تناولت الهاتف، وكانت رسالة وحيدة منها:
- وداعًا.
ثم أغلقت بعدها الهاتف. جُنَّ جنوني، كان بيتها في أطراف القرية، بينما أسكن في وسطها. سريعًا ارتديت ثيابي، سريعًا خرجت أعدو كالمجنون صوب منزلها. طرقت الباب، فلم ترد، استعنت ببعض الجيران، فتحوا الباب عنوة، وجدتها على الأرض ترغي وتزبد. تكفل الجيران بنقلها إلى أقرب مستشفى، وقضينا ليلة عصيبة.
علمت بعد ذلك أنها تناولت كمية كبيرة من عقار كانت تستخدمه عندما تحس بالصداع، والذي كان يعاودها بين الفينة والأخرى.
عند بزوغ الفجر بدأت تفيق، كنت جالسة بجانب سريرها. فتحتْ عينين كليلتين، قفزتُ من مقعدي ودنوت منها. سألتني أين هي؟ أجبتها، وعاتبتها أنها تريد أن تترك صديقتها الأثيرة وترحل.
قالت ببطء شديد:
- وماذا بقي من نفسي، كي أُبقي عليها.
لم أجد ردًا، فربت على صدرها في حنان، كأنما أرجوها أن تكفَّ عن هذا الكلام.
كنت أعلم ما كان يمثله لها زوجها، والذي رحل مصطحبًا معه الحب والحياة والأمان.
حضر الطبيب، باشر عمله، طمأننا بأن الخطر زال عنها. وداعبها بقوله:
- حرام أن يتوارى هذا الجمال تحت الثرى.
ابتسمتْ في فتور، وقالت بعد أن زفرت من صدرها:
- ولمَن أعيش؟ لا زوج ولا ولد.
فقال الطبيب، وهو يقيس لها الضغط:
- لنفسك، عيشي لنفسك؛ فنفسك تستحق أن تمنحيها مزيدًا من العمر؛ لتستمتعي بالحياة.
انشرحت أساريرها، لحديث طبيبها المعالج. وبدأت تستجيب للعلاج.
في اليوم التالي، عند زيارتي لها، سألتني عنه. أخبرتها أنه يعمل في الفترة المسائية وفقط.
- كلها ساعتان ويأتي.
فقالت في عفوية، فضحت مكنون صدرها:
- ساعتان؟
غمزت لها بعيني اليسرى. فابتسمت في خجل، وأدارت وجهها عني.
أخبرتني بعد ذلك، أن الطبيب أرمل، ولديه طفلان. ثم بعد ساعة من الحديث عنه، أخبرتني أنه عرض عليها الزواج.
قلت لها وأنا أهنئها، وأقبل وجنتيها في حبور:
- لعل الله أراد أن يمنحك الذرية التي حرمت منها، والزوج الحنون.
قالت، وهي تنزع نفسها مني.
- ولكني لم أوافق بعد.
قلت موبخة لها:
- أمجنونة أنت؟
فالتقط الطبيب مني الكلمة، وكان قد دخل على التو؛ ليطمئن على صحتها.
- فعلًا صديقتك مجنونة، وهذا هو شرطي الوحيد فيمن أتزوج بها.
ضحك ثلاثتنا، ولم تنقضي سوى أيام قليلة، زفت بعدها إلى بيت زوجها.
