فوضى الفتوى.. كارثة عصرنا
بقلم: د. خالد البليسى
شهد منصّات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة تتمثّل في تجرؤ غير المتخصصين على تفسير النصوص الدينية وإصدار الفتاوى دون علم أو دراسة. هذه الفوضى المعرفية لم تعد مجرّد تجاوز فردي، بل تحوّلت إلى أزمة حقيقية تهدد وعي المجتمع الديني وتشوّه صورة الخطاب الشرعي الرصين.
لقد أصبح من المألوف أن يخرج علينا من لا يمتلك أدوات العلم، فيتصدّر للحديث عن القرآن والسنة، ويشرح ويؤوّل ويُفتي وفق هواه أو وفق ما يراه مناسبًا لميوله الشخصية، متجاهلًا أن العلوم الشرعية لها أصول ومناهج وضوابط صارمة، وأنها عِلم كسائر العلوم، بل أشدها خطرًا وحاجة إلى التخصص.
والمؤسف أنّ بعض هؤلاء لا يُحسن حتى قراءة الآيات قراءة سليمة، ومع ذلك يخوض في معانيها، ويُصدر "أحكامًا" و"تحليلات" قد يصدّقها آلاف المتابعين، فتضيع الحقيقة ويشيع الاضطراب، ويصبح الجهل مُلبَّسًا بلباس العلم.
إنّ الدين ليس مادة افتراضية تُنال بالنسخ واللصق، ولا مجالًا مفتوحًا للتجارب أو بناء الشهرة، وإنما هو رسالة تقوم على العلم والورع والانضباط. وإذا كان الناس يستنكرون أن يتحدث أحد في الطب أو الهندسة دون اختصاص، فأولى أن يُستنكر الحديث في الدين دون تأهيل؛ لأن الخطأ فيه لا يضرّ فردًا واحدًا، بل يضلّ جماعات ويشوّه وعي أمّة بأكملها.
وهنا يبرز الدور التاريخي والضروري للأزهر الشريف باعتباره المرجعية العلمية الأعرق في العالم الإسلامي، وحصن الوسطية، وقلعة العلوم الشرعية الدقيقة. فللأزهر لجنة الفتوى الرئيسية التي تضم كبار العلماء والمتخصصين، وتقوم بالإجابة على أسئلة الناس وفق منهج علمي راسخ، بعيد عن التهوين أو التشدّد.
كما توجد اللجان الفرعية للفتوى المنتشرة في المحافظات والمراكز، لتكون قريبة من الناس، وتقدّم العلم الصحيح وتقطع الطريق على الجهل والتأويلات الفردية التي ملأت فضاء الإنترنت.
إن مواجهة فوضى الفتوى لا تكون إلا بنشر الوعي بأهمية الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين، والتحذير من كل من يتصدى للكلام في الدين بغير علم. فليس كل من امتلك حسابًا على مواقع التواصل يصبح عالمًا، ولا كل من جمع بعض الروايات وأقوال المتحدثين يتحول إلى مفتي.
إن احترام التخصص في الدين ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية المجتمع من الانحراف الفكري والبلبلة، ولحماية النصوص المقدسة من العبث والهوى. وعلى الجميع أن يدرك أن الفتوى مسؤولية عظيمة، وأن من قال على الله بغير علم فقد وقع في أعظم المحرمات.
الدين يحتاج إلى تعظيم واحترام، لا إلى ضجيج ولا إلى تريندات… وهذا ما يجب أن نعيد التذكير به في زمن اختلط فيه الصواب بالخطأ، والعلم الحقيقي بثرثرة الشاشات.
